
بقلم الياس عيسى الياس- ديمقراطيا نيوز
السقوط من سماء الوهم
كان يا ما كان، في جزيرة “كريت” اليونانية القديمة، عاش المخترع البارع “ديدالوس” وابنه “إيكاروس” في أسر الملك “مينوس”. لم يكن سجنهما قضباناً من حديد، بل متاهة معمارية محكمة صممها ديدالوس نفسه. وبفطنة العبقري، أدرك ديدالوس أن الهروب عبر الأرض أو البحر مستحيل، فارتفعت عيناه نحو الفضاء؛ لقد أشار القدر إلى السماء كسبيل وحيد للنجاة.
دستور ديدالوس: “لا تحلق عالياً جداً”
بجهد وصبر، صنع ديدالوس جناحين من الريش والشمع. وقبل الإقلاع، وجه لابنه نصيحة محفورة في ذاكرة الأجيال: “يا بني، لا تحلق عالياً جداً فتدنو من الشمس ويذوب الشمع، ولا منخفضاً جداً فيثقل رذاذ البحر أجنحتك”.
كانت هذه الكلمات دعوة للتوازن، وتحذيراً من غواية “العلو” التي قد تودي بصاحبها. لكن إيكاروس، الذي أذهلته نشوة التحليق، تملكته “الهيبريس” (Hubris) أو الغرور العاتي. حلق عالياً حتى ذاب الشمع، وهوى إلى حتفه في أعماق البحر؛ نهاية تراجيدية تركت لنا إرثاً حول حدود الطموح البشري.
الأبعاد السياسية: جنون العظمة وسقوط الجدران
تاريخياً، سقطت إمبراطوريات عظمى لأنها ظنت أن أجنحتها قادرة على تغطية الأرض برمتها. إن تجاهل “الوسطية” السياسية يؤدي دائماً إلى ذوبان الروابط التي تجمع الدولة بمواطنيها. ولعل في انهيار الاتحاد السوفيتي نموذجاً صارخاً؛ حيث حلقت الأيديولوجيا بعيداً في سماء السباق العسكري والفضائي، متجاهلةً حرارة الواقع الاقتصادي المتردي، فذاب شمع الدولة المركزية فجأة، تاركاً خلفه شظايا جدار برلين كشاهد على سقوط “إيكاروس” الأيديولوجي.
أما اليوم، فيمثل القادة الشعبويون نموذجاً لمن يعدون الشعوب بالطيران نحو الشمس دون امتلاك الأدوات اللازمة، وينتهي الأمر دائماً بهبوط اضطراري يصطدم بواقع الديون والاضطرابات الاجتماعية.
البُعد الاقتصادي: فقاعات الشمع من 2008 إلى اليوم
لا يغيب هذا المشهد عن الاقتصاد؛ فـ “اقتصاد الوهم” الذي يعتمد على المضاربات المحمومة يشبه تماماً أجنحة الشمع الهشة. هذا الصعود الإيكاروسي تجسد بوضوح في أزمة الرهن العقاري عام 2008؛ حين ظن كبار المضاربين أن أجنحة الأوراق المالية المشتقة يمكنها الارتفاع بلا حدود. وعندما اقتربت هذه السندات من شمس الحقيقة المالية، ذابت المؤسسات العريقة في لمح البصر.
إن إصرار المنظومة الرأسمالية اليوم على النمو اللانهائي في كوكب ذي موارد محدودة هو تجاهل صارخ لنصيحة ديدالوس. نحن نحلق عالياً في سماء الاستهلاك المفرط، متناسين أن البيئة قد تبتلع المنجزات البشرية إذا ما استمر الاحتباس الحراري في إذابة توازن الكوكب.
الفكر والاجتماع: نرجسية “التريند” والضوء الزائف
في السياق الاجتماعي، يعبر إيكاروس عن الإنسان المعاصر الذي يسعى للتميز الفردي المطلق. لقد خلقت وسائل التواصل الاجتماعي مناخاً يحفز الجميع على “التحليق” في فضاء افتراضي بحثاً عن الضوء الزائف. هذا الانفصال عن “الأرض” يؤدي إلى هشاشة نفسية؛ فعندما يسقط الفرد من علو شهرته الرقمية، يسقط وحيداً، لأن رحلته كانت نرجسية لم تراعِ التوازن بين الطموح الشخصي والاستقرار النفسي.
رؤية آنية: هل نملك الحكمة في 2026؟
وإذا ما نظرنا إلى واقعنا اليوم، نجد أن التسابق المحموم نحو عسكرة الفضاء والذكاء الاصطناعي التوليدي الذي نشهده في مطلع هذا العام (2026)، يمثل النسخة الرقمية من مغامرة إيكاروس.
إننا أمام “هوبريس” تكنولوجي جديد؛ حيث تندفع القوى العظمى نحو تطوير قدرات قد لا تملك زمام السيطرة عليها إذا ما بدأت “تذوب” القواعد الأخلاقية التي تحكمها. إن الفرق بين التحليق الناجح والسقوط الكارثي لا يقاس بالمسافة عن الشمس، بل بالمسافة التي تفصل طموحنا التقني عن ضميرنا الإنساني.
ما وراء السقوط
إن مأساة إيكاروس ليست دعوة للبقاء في المتاهة، بل هي دعوة لإتقان فن الملاحة في الحياة. في عالم يتسارع نحو المجهول، يظل السؤال قائماً: هل نملك الحكمة لنعرف متى نتوقف عن الارتفاع؟ أم أن قدر الإنسان هو أن يظل يهوى، ليتعلم فقط في اللحظات الأخيرة أن الأجنحة المستعارة لا تصنع إلهاً، بل تصنع ضحية لجشع لا ينتهي؟
