بقلم الياس عيسى الياس – ديمقراطيا نيوز

طرابلس لا تستيقظ على الأخبار، بل على الصدمات. مدينةٌ اعتادت أن تفتح عينيها كل صباح على جرحٍ جديد، كأن الألم صار جزءًا من برنامجها اليومي. انهيار مبانٍ في طرابلس ليس حدثًا طارئًا، بل فصلٌ آخر من كتاب الإهمال المفتوح منذ سنوات، حيث تتقدّم الكارثة خطوة، وتتراجع الدولة عشر خطوات.
طرابلس وأطفال طرابلس في صدارة المشهد، لا لأنهم اختاروا ذلك، بل لأن الخطر يختارهم دائمًا. أطفال يسيرون تحت شرفات متعبة، وينامون تحت أسقف تُساوم الريح، ويتعلّمون باكرًا أن الأمان ترف. هنا، الطفولة ليست مساحة لعب، بل مساحة انتظار: انتظار الكهرباء، انتظار الماء، انتظار أن لا يسقط البيت فوق الرؤوس. وجوههم ليست بريئة فقط، بل مُدانة للسكوت العام، شاهدة على مدينة تخلّت عن أضعف أبنائها.

هؤلاء الأطفال يلقون، من دون أن يدروا، تحيّة الظلم والألم كل يوم. تحيّة صامتة وثقيلة، تُرفع قرب كل مبنى متصدّع، ومع كل صوت حجرٍ يسقط في الليل. الظلم هنا ليس حادثًا، بل حالة دائمة، تتغذّى من اللامبالاة، وتكبر على حساب الحياة. الألم لم يعد يصرخ؛ صار مألوفًا، مُروّضًا، حتى بات الانهيار يُقابل بالدهشة أكثر مما يُقابل بالغضب. وهذا أخطر ما في الأمر: أن يعتاد الناس الخطر، وأن يتحوّل الرعب إلى روتين.

في المقابل، يقف متموّلو المدينة و«زعماؤها» في موقع المتفرّج المتعالي. خطابات، بيانات، زيارات بعد الكارثة، وصور أمام الركام. أما قبل الانهيار، فصمتٌ مُطبق. أين ذهبت الأموال؟ من راقب؟ من حذّر؟ من أصلح؟ أسئلة تتكرّر بلا أجوبة، لأن المساءلة نفسها غائبة. الزعامة التي لا تحمي ناسها قبل الكارثة ليست زعامة، والتمويل الذي لا يُصرف على السلامة ليس إنماءً، بل تزيينًا للخراب.

تسقط مبانٍ في طرابلس، ولا يسقط مسؤول. تسقط حجارة وأسقف، وتبقى الكراسي ثابتة. لا استقالة، لا محاسبة، لا اعتراف بالخطأ. فقط لجان وتقارير ووعود لا تعمّر أطول من عمر الغبار. هنا، تتحوّل الكارثة إلى رقم، والضحايا إلى هامش، والمدينة إلى اختبار فاشل لضمير الدولة.

هذه ليست دعوة إلى الشفقة، بل إلى الغضب الواعي. ليست صرخة موسمية، بل إنذار أخير. الأمان حق، والمحاسبة واجب، وما دون ذلك تواطؤ موصوف. طرابلس لا تريد بيانات تعزية ولا صورًا أمام الركام، بل قرارًا واحدًا واضحًا: حماية الناس قبل أن ينهار الحجر.

لأن كل مبنى يسقط اليوم، سقط أولًا في الضمير.
وكل طفل يُنقذ بالصدفة، هو إدانة صريحة لمن تركه ينام تحت سقفٍ يعرف أنه سينهار.
وفي مدينة لا يسقط فيها مسؤول واحد بعد كل هذا الخراب، لا يعود الانهيار القادم احتمالًا…
بل جريمة مُعلَن عنها مسبقًا.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top