
بقلم الياس عيسى الياس- ديمقراطيا نيوز
في انتخابات أيار النيابية عام 2022، لم تكن النتائج مجرد أرقامٍ تُحصى في صناديق بلاستيكية باردة؛ بل كانت زفرةً أخيرة في حنجرة وطنٍ يلفظ أنفاسه تحت الماء. كنتُ هناك، أرقبُ الوجوه التي توسمنا فيها فأسًا يكسر قيد التقليد، فإذا بها تتحول إلى أقدامٍ ترتقي فوق الرقاب.
رأيتُ نائباً “تغييرياً” –في غمرة النشوة بالفوز المقعد النيابي– يمتطي الأكتاف، وفي تلك اللحظة الكثيفة بالخيبة، تراءى لي غسان كنفاني شاخصاً في زاوية الزقاق، يرمق المشهد بمرارةٍ لا يمحوها زمن، ويهسِسُ في أذني: «إنهم لا يرفعونكم لكي تبصروا الشمس، بل يرفعون أنفسهم فوقكم لئلا تتسخ أحذيتهم بوحل الطريق الذي ما زلتم تخوضون فيه».
لم يكن ما شاهدتُه احتفالاً بدخول الندوة البرلمانية، بل كان «استعماراً بدائياً للجسد الشعبي»؛ حيث تحوّل ظهر الناخب المنهك وكتف الشاب الحالم إلى مجرد “منصة” ارتكاز للسلطة الجديدة. إنه طقسٌ تنكريّ، يرتدي عباءة الحداثة الزائفة ليخفي خلفها هرميةً مقيتة، تُجهض مفهوم «المواطنة» في مهدها، وتُعيد إحياء زمن «الرعوية»؛ حيث لا يرتفع النواب إلا بمقدار ما تنحني الظهور.
”«فيزيولوجيا» التبعية واقتصاد اللمس
إنَّ الحمل على الأكتاف ليس مجرد “فولكلور” عابر، بل هو «آلة زمن» بيولوجية، تجمد وعي اللحظة وتعيد إنتاج العصور الحجرية للولاءات القبلية. نحن هنا أمام تجلٍّ فجٍّ لـ «جدلية السيد والعبد»؛ حيث لا يكتفي “الحامل” بالتنازل عن صوته، بل يتنازل طوعاً عن استقلالية جسده، ليتحول إلى مادة حيوية تُصاغ منها منصة السيادة.
وفي مجتمعٍ مثل لبنان، حيث يُحاط “الجسد العام” بأسوارٍ من المحرمات ويُقنن فيه اللمس، يبرز «الرفع» كأخطر أنواع «الاقتصاد الرمزي». يصبح التلامس هنا “صكَّ قربٍ زائف”؛ يوزع فيه الزعيم “بركاته” بلمساتٍ أبوية على رؤوس الحشود، كأنه يمنحهم فتاتاً من ألوهيته، بينما الحقيقة تكمن في الأسفل: في تلك الأقدام التي تضغط بقسوة على رقابٍ لم تكد تشفى بعد من ندوب التاريخ. رقابٌ أدماها حملُ الحطب في سنين القحط، وأنهكها حملُ النعوش في مواسم الدم، لتجد نفسها اليوم “مطيةً” لمن يَعِدُ بالخلاص وهو يمارس أولى فصول الاستعباد.
طوبوغرافيا العلو في زمن الانكماش
بينما تترنح الأسواق وتتآكل القيمة المادية للعملة حتى العدم، ينشأ في المقابل «تضخم رمزي» حاد في بورصة الصور. إنَّ الحمل على الأكتاف هنا هو «العملة الرمزية المزيّفة» التي يصدرها السياسي ليتغطى بها أمام عجز ميزانيته الفعلي؛ فبما أنه لا يملك حلولاً للدَّين العام أو كبح الانهيار، فإنه يعمد إلى «نفخ» حضور جسده في الفضاء العام تعويضاً عن ضآلة أثره في السياسات.
تتحول الساحات، التي وُجدت أصلاً لتكون ميادين للاحتجاج الأفقي والندية المواطنية، إلى مسارح هرمية عمودية. بالرفع، يُعاد إنتاج صورة «الراعي» الذي يرى المشهد من علٍ، منفصلاً عن «حرارة الإسفلت» التي تحرق جلود المواطنين، وكأن المسافة بين “كتف الحامل” و”قدم الراكب” هي المسافة الفاصلة بين الحقيقة المرة والوهم المريح.
ذكورة الطقس ووهم الخلاص
لا يمكن استنطاق هذا الفعل بمعزل عن «جندريته» الفجة؛ فهو طقسٌ ذكوريٌّ بامتياز، يستحضر صورة «الفحولة القيادية» التي لا تستقيم إلا بوجود “ظهرٍ” يُركب. إن الحشود التي تحني فقراتها لـ «الأب المنقذ» تمارس في جوهرها حنيناً نكوصياً لزمن البطولات الفردية الخارقة، هرباً من “عبء” بناء المؤسسات والديمقراطية المتعبة.
إنه «التعويض الرمزي» عن انكسار الحلم؛ فبما أنَّ هدم الهياكل القديمة وبناء بدائل مؤسساتية هو فعلٌ شاق ومنهك، يلجأ العقل الجمعي إلى «تأليه الرمز» وتصعيده في الهواء. نحن هنا نقع في الفخ ذاته: نظنُّ أننا برفعنا للرمز نرفع أحلامنا المجهضة، بينما الحقيقة أننا ندفن تلك الأحلام تحت أثقال الأقدام التي تظن أن الأكتاف خُلقت لتكون سلالم، لا أجساداً لبشر.
وكما حذر أبو العلاء المعري من هذا “التعالي الدخاني” الذي يفتقر للجوهر:
تَواضَعْ تكن كالنجمِ لاحَ لناظرٍ … على صَفَحاتِ الماءِ وهو رَفيعُ
ولا تكُ كالدُّخانِ يَعلو بِنَفْسِهِ … في طَبقاتِ الجوِّ وهو وَضيعُ
نحو 2026: سوسيولوجيا «الخفض» واسترداد الأرض
مع اقتراب الاستحقاق القادم، لم يعد التحدي يكمن في صياغة برامج انتخابية رنانة تملأ الورق ولا تجد طريقاً للتنفيذ، بل في إحداث «ثورة في السلوك البصري» وكسر هيبة المشهد التقليدي. إننا بحاجة ماسة إلى اجتراح «سوسيولوجيا الخفض»؛ وهي ممارسة سياسية جذرية تعمل على “تقزيم” فردانية الزعيم لحساب “تعظيم” شأن المؤسسة والبرنامج.
إنَّ السياسي الذي يمتلك شجاعة رفض الرفع، ويصرُّ بصلابة على أن يبقى جسده في مستوى أجساد الناس، يمشى جنباً إلى جنب معهم في ذات “الوحل” وبذات الإيقاع، هو الوحيد الذي يقدم برهاناً جسدياً على صدق نواياه. فمن يرفض أن يكون “فوق” الناس، هو الوحيد الذي لن يبيعهم حين يصل إلى “هناك”.
أما المواطن، فمعركته الحقيقية تبدأ من «تحرير الرقبة». إنَّ نزع “نعل” الرمز عن الكتف ليس مجرد فعل فيزيائي، بل هو إعلان استقلال سياسي؛ فالمواطن الذي يستعيد توازنه بمفرده، بعيداً عن تقديس الشخوص، هو الوحيد الذي بدأ فعلياً رحلة التحرر من أغلال الرعوية نحو رحابة المواطنة.
من “اختناق الخزّان” إلى استقامة المصير
لقد لقنتنا الخيبات المتتالية درساً قاسياً: إنَّ كل من اتخذ من أكتاف الناس سُلماً، لم يصل إلا ليرى مكاسبه الشخصية بوضوح أكبر، تاركاً خلفه “الحمّالين” يعانون وحدهم آلام الظهر، وتصلب الرقبة، ومرارة الخديعة. لقد كانت تلك الأكتاف بالنسبة لهم “جسراً مؤقتاً” ليعبروا فوق أوجاعنا، لا لينتشلونا منها.
وفي هذا المشهد، تستحضر الذاكرة المكلومة أبطال غسان كنفاني في “رجال في الشمس”؛ أولئك الذين ماتوا اختناقاً داخل خزان مياه شاحنة وهم يحاولون عبور الحدود بحثاً عن لقمة العيش، دون أن يجرؤوا على دق جدران الخزان خوفاً من الحرس، فماتوا بصمتٍ مريب. واليوم، نحن لا نكتفي باستعادة صرخة السائق المدوية: «لماذا لم تدقوا جدران الخزان؟»، بل نوجهها لأنفسنا كفعلِ إدانةٍ واستنهاض؛ فإذا كان أبطال غسان قد قتلهم الصمت، فإن مأساتنا هي أننا “ندقُّ” بفقرات ظهورنا منصاتٍ لجلادينا.
لذا، لم يعد السؤال: لماذا لم تصرخوا؟ بل: «لماذا ما زلتم تحنون ظهوركم ليصعدوا؟ ولماذا لا تنزلونهم عن أكتافكم لتقفوا أمامهم نداً لند؟». إنَّ التغيير الحقيقي في 2026 لا يبدأ بصندوق الاقتراع فحسب، بل يبدأ بـ “استقامة الظهر”. ليكن قرارنا حاسماً: أكتافنا خُلقت لنحمل عليها أحلامنا الكبرى بالدولة والمؤسسات، لا لنحمل عليها من يجهضون تلك الأحلام بمجرد وصولهم إلى القمة.
