سعد الحريري .. “صولجان القيادة”أعطي له !!

بقلم خالد صالح

كثيرةٌ هي الأحداث التي شهدها لبنان ما بين 24 كانون الثاني 2022 تاريخ تعليق الرئيس سعد الحريري للعمل السياسي التقليدي و 24 كانون الثاني 2026 اللحظة المفصلية التي يترقب فيها لبنان واللبنانيون والمستقبليون والحريريون ماذا سيكون موقف الحريري المقبل؟، وهل ستكون محطة 14 شباط هذه السنة تأشيرة “العودة الفعلية” للعمل السياسي، بعدما كانت الذكرى السنة الفائتة “العودة الكلامية”؟..
لم يكن الطريق الذي سلكَه الحريري الابن طوال عقدين ونيف من الزمن معبّدًا بالاستقرار والازدهار، بل مليئًا بالعقبات والتحدّيات والمحن والعثرات وحتى الإخفاقات والنجاحات، لكنه لم يبخل بأيّ شيءٍ يملكه في سبيل تكريس السلم الأهلي وإرساء نهج الاعتدال الذي ورثه عن أبيه، لاسيّما عندما استعر الخطاب الطائفي والمذهبي وبات لبنان على فوّهة بركان، بسبب الكثير من العوامل التي اجتاحت المنطقة، فدفع من رصيده السياسي والمالي والصحي لتجنيب البلاد الانجراف نحو الهاوية .
من هنا يمكننا القول أن سعد الحريري لم يستطع أن يكون صورة طبق الأصل عن أبيه بصورة كاملة، وذلك في أي حال ظلم له .. كما لن يكون امتدادًا لأبيه، فذلك مستحيل .. فلا الظروف هي الظروف ذاتها، ولا البلاد هي البلاد، ولا من هيأ للأب ان يدخل متكئًا على كتفين عربيين في سوريا والسعودية، في لحظة دولية محددة، موجود ليهيئ للابن ما أمكن توفيره للأب مما يدخل في باب الاستثناء والخروج على القاعدة، في الشكل كما في المضمون.
ولأن “الحقيقة” تقتضي أن نواجهها كما يليق بها، وأن نتعايش معها بمنتهى الواقعية من دون براغماتية فاقعة، لابد أن ننظر إلى المرحلة الزمنية التي طبعها “سعد الحريري” بطابعه الخاص، ونستعرضها كما هي من دون زيادة أو نقصان، لنصل إلى عمقها ونكتشف أسرارها، ونقول بالفم الملآن: “القيادة لها أربابها” ..

سعد “الوريث”

لم يأتِ سعد الحريري إلى السياسة اللبنانية من باب الشعبوية ولا من باب “حب السياسة”، بل دخلها محمّلًا بـ “إرث” ثقيل تنوء به الجبال، فأنّ له أن يملأ تلك المساحة الواسعة التي كان يشغلها الرئيس الشهيد؟، والده جاء إلى الحكم محمولاً على تجربة عريضة في الأعمال والعلاقات وبناء الصداقات والنجاح في الوفاء بالتزاماته، وقدرته الاستثنائية على الصبر والتحمل ونسج العلاقات مع أصحاب القرار بدأب النملة، والتقدم لأداء المهمات الصعبة والتي عجز سابقوه ومنافسوه الكثر عن انجازها، بهمة المغامر، لهذا، إنه سعد الدين رفيق الحريري وليس رفيق بهاء الدين الحريري، بل وليس مطلوبًا منه أن يكون على صورته ..
حاول “السعد” منذ الـ 2005 أن يكون “إمتدادًا” لأبيه، أن يقارب الأمور من منظاره، وأن يعمل على تدوير الزوايا كما كان يفعل، من دون أن يأخذ بعين الاعتبار أن 14 شباط صار حدًا فاصلًا بين مرحلة انتهت ومراحل مغايرة كليًا قد بدأت، وأن ما كان يدور في أروقة السياسة قبل هذا التاريخ لم يعد ممكنًا بعده، وأن يكون “حليمًا كأبيه” لم يعد جائزًا وسط قطيع من “الذئاب” الذي يقف متأهبًا للإنقضاض على كل تفاصيل المرحلة الأجمل من عمر لبنان.
من انتخابات الـ 2005 ومسيرة الاغتيالات التي لم تتوقف، إلى زواريب الاعتكاف الحكومي الأول ومن ثم طاولة الحوار وحرب تموز الـ 2006، ثم مقولة نظام الأسد البائد عن الرئيس السنيورة “عبد مأمور لعبد مأمور” وحصار السراي الكبير وحرب نهر البارد وبعدها غزوة 7 أيار 2008 ومؤتمر الدوحة وقانون الستين والثلث المعطل ثم انتصاره في انتخابات الـ 2009 وتشكيله لأول حكومة، وبعدها مقاربته للشأن السياسي العام في البلاد، وصولًا إلى إسقاط حكومته لحظة دخوله البيت الأبيض في الـ 2011 قضايا ذات أهمية قصوى تعامل معها “سعد” من زاوية “الوريث” و “الإمتداد” الطبيعي للرئيس الشهيد، وليس من زاوية شخصية بارزة بدأت تسلك دربها بصورة منفصلة .

سعد “الحريص”

شكّل “الانقلاب الداخلي” الذي نفذته قوى 8 آذار وأدّى إلى تطيير حكومة “السعد” الأولى، بداية مرحلة مختلفة من حياته السياسة، خصوصًا عندما بدأ يتلّمس طريقه المستقل عن مساحات والده، فقد عايش انقلاب “الصديق الحليف” قبل أفخاخ “الخصوم”، ورأى بأم العين أن غزوة “القمصان السود” الصامتة كيف أثّرت على الوضع الداخلي، فوجد نفسه بين “المطرقة والسندان”، خصوصًا مع اغتيال أهم شخصيتين في دائرته الأمنية والسياسية، وسام الحسن ومحمد شطح.
كان بوسع الحريري الابن أن يقولها علانية “يا غيرة الدين”، لكنه آثر الصمت والهدوء ولعب دور “الحريص” على مستقبل البلاد، خصوصًا أنه كان يرى فتيل “الربيع العربي” يحرق محيطنا بالكامل، وأن رأس الفتنة بدأ يطل على لبنان، فقام بـ “ربط النزاع” مع حزب الله من خلال الحوار الذي رعته “عين التينة” بهدف تخفيف الاحتقان الناجم عن تدخل الحزب في أتون الأزمة السورية المستفحلة .
وقبل نهاية ولاية الرئيس ميشال سليمان أدرك أن البلاد ذاهبة إلى فراغ قد يطول كثيرًا نتيجة الانقسام العمودي الحاد بين طرفي المعادلة السياسية، وأن دعمه المطلق لرئيس حزب القوات اللبنانية لرئاسة الجمهورية لن يفضي إلى نتيجة، دعم تشكيل حكومة برئاسة “تمام سلام” لقيادة لبنان في أدق وأخطر مراحله، ليلعب دور “الحريص” والمنتظر لأي تبدلات قد تطرأ على المشهد الداخلي أو الإقليمي .

سعد “المغامر”

اكتشف “السعد” أن البقاء “أسرى” للكباش القائم سيترك البلاد عرضة لرياح هوجاء قد لاتبقي ولاتذر، وأن لبنان الذي يعرفه ويحبه معرضٌ للاندثار، وأن الجانب المسيحي قد توحّدت قواه من خلال “اتفاق معراب” الشهير، وأنه يرفض أن يُقال عنه “السنّي الأقوى في لبنان يرفض وصول المسيحي الأقوى إلى رئاسة الجمهورية”، سار بـ “التسوية الرئاسية” في الـ 2016 رغم المحاذير الداخلية والخارجية التي بلغته .
عاد السعد إلى الحكومة رئيسًا يحمل آمالًا عريضة، كان يرى بوضوح أن الأزمة الاقتصادية بدأت تلوح في الأفق، وأن تجاوزها وعدم الوقوع في براثنها يتطلب جهودًا داخلية تُعيد الانتظام لعمل الدولة، وتحتاج ورشة عمل يواكبها دعم عربي ودولي غير محدود، فذهب بالمعادلة الداخلية إلى حافة الخطر من خلال قانون الانتخابات النيابية مع سلة تعيينات شاملة، وبدأ التحضير لـ “مؤتمر سيدر” الذي حقق نجاحًا هائلًا .. لكن بقيت عقدة التنفيذ .
حاول كثيرًا أن يضع “سيدر” على سكة التنفيذ، لكن ماذا يفعل أمام “المآرب الشخصية” التي قوبل بها؟، كيف يضع حدًا لأطماع “الطامحين” لرئاسة الجمهورية وما أكثرهم؟، ومن “قبرشمون” إلى موازنة الـ 2019 وصولًا إلى المؤتمر الاقتصادي الذي عقد في بعبدا وقاطعه علانية لأنه يسحب الصلاحيات التنفيذية من مجلس الوزراء، وصولًا إلى 17 تشرين الذي قلب الطاولة على الجميع، وكان من أول الذين استمعوا إلى أصوات الناس الذين افترشوا الطرقات.

سعد “القائد”

بعد تقديم استقالة حكومته في أواخر تشرين الأول 2019 بلغ “السعد” مكانة رفيعة في فهم السياسة اللبنانية وتعقيداتها، رفض العودة إلى الحكومة إلّا وفق رؤيته، حكومة اختصاصيين خالية من الأحزاب ولمدة تتراوح بين ستة أشهر وسنة، مع صلاحيات استثنائية، هذه المرحلة أماطت اللثام بشكل كبير عن تطلعات البعض الذين يقفون في زوايا “المصالح الشخصية”، قال كلمته الشهيرة “كلهم مرشحون لرئاسة الحكومة إلا سعد الحريري”، محذرًا الجميع من مغبة ما يحضر له .
وجاءت حكومة “حسان دياب” لتدمر ركائز صلبة من قيامة لبنان، وحققت لمن يقف وراءها الهدف المنشود، لم يدفع لبنان مستحقات “اليوروبوندز” فيما صرفت الحكومة ما يقارب الـ 18 مليار دولار على الدعم غير المجدي، ثم جاءت الكارثة بعد انفجار المرفأ، فشمّر عن ساعديه مجدّدًا، لكن حساب “حقل” البعض لم تناسب “بيدر” السعد، وصار الكباش بين رئاسة الجمهورية والرئيس المكلف كباشًا شخصيًا في محاولة لساكن بعبدا أن يضرب مقام رئاسة الحكومة والتعاطي معها على أنها “مأمورة” وعليها السمع والطاعة، فرمى “السعد” في وجهها ورقة التكليف وقال “الله يعين البلد” ..
كان يُدرك في قرارة نفسه أن الظروف تزداد تعقيدًا، وأن المرحلة تتطلب موقفًا شجاعًا لا يقبل التأويل على جانبيه، موقفًا واضحًا لا لبس فيه، الموقف الذي يصدر عن “القائد” وحده، رغم مرارته أحيانًا، وكما كان موقفه في أيار 2008 ورفض الانجرار خلف لعبة الدم، كان موقفه في الـ 2022 ينم عن “قيادة” حكيمة ترى أبعد مما يتخيّل أو يعتقد البعض، لأنه كان يقرأ في كتاب “سعد الحريري” الذي عجنته السياسة جيّدا، فقال كلمته :”لا خلاص للبنان في ظل النفوذ الإيراني والانكفاء العربي والتخبط الدولي واستعار الطائفية والمذهبية” .. ومشى ..
لم يكن قرار “تعليق” العمل السياسي هروبًا كما ظنّ البعض، بل كان قرار “القائد” الذي نأى بنفسه وبتياره وبجمهوره على إمتداد الوطن عن المهاترات والأنانيات ولعبة الغدر التي برع فيها “الحلفاء” قبل “الخصوم”، القرار الذي عرّى الجميع ووضعهم أمام أنفسهم يضربون أخماسًا بأسداس والكل يقول بصوت واحد، نريد عودة “سعد الحريري ليستقيم التوازن في لبنان، وفي هذا اعتراف كامل “صولجان القيادة” أعطي له .

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top