
بقلم الياس عيسى الياس- ديمقراطيا نيوز
لم يكن الطفل، في أي زمنٍ مضى، مضطرًا لأن يدافع عن نفسه وحيدًا أمام آلة. لم يكن مطلوبًا منه أن يميّز بين الحب الحقيقي والإعجاب الافتراضي، ولا أن يحتمل سخرية جماعية تأتيه على شكل إشعار، ولا أن يبتلع خوفه كل ليلة لأن صورته، أو صوته، أو ضعفه، صار مادة للتداول.
لكن هذا ما يحدث الآن.. في غرفٍ مغلقة، وأسرّةٍ صامتة، وأمام شاشات مضيئة، يُترك ملايين الأطفال والمراهقين وجهًا لوجه مع عالم لا يعرف الرحمة.
صراع الأب.. وصراع التشريع
حين قررت دول مثل فرنسا وأستراليا أن تقول «كفى»، لم تكن تعلن حربًا على التكنولوجيا، بل كانت تعترف — متأخرة — بأنها قصّرت في حماية أبنائها. التشريع ليس قمعًا، بل هو حاجز أمان حين يعجز الطفل عن حماية نفسه.
على المستوى الشخصي، أجد نفسي في قلب هذه المعركة اليومية؛ فبينما يبتلع العالم الرقمي أعمار أقرانها، اتخذت قراري بأن أحمي ابنتي “كلارا” (12 عاماً) من هذا السيل الجارف، فلم أسمح لها بأكثر من ساعة واحدة يومياً أمام الشاشة. ساعة واحدة هي كل ما أمنحه لها لتبقى متصلة بالعالم دون أن يقطع صلتها بنفسها، وبخيالاتها، وبواقعها الذي يحتاج منها أن تعيشه بصدق لا من خلف زجاج.
الدماغ الصغير في مواجهة آلة بلا قلب
من القسوة أن نطلب من دماغ لم يكتمل نموه أن يقاوم خوارزميات صُمّمت على يد أفضل علماء النفس في العالم. طفل في الثالثة عشرة لا يدرك أن “التمرير اللانهائي” فخ، وأن شعوره بالفراغ بعد إغلاق التطبيق هو هدف تجاري مقصود. هو فقط يشعر بالإدمان، بالقلق، وبالوحدة.. ونحن نسمّي ذلك «حرية».
التنمر: حين لا يعود البيت ملاذًا
في الماضي، كان الطفل يعود إلى بيته ليختبئ من قسوة العالم. اليوم، العالم يدخل معه إلى غرفته. التنمّر لم يعد ضحكة في ساحة المدرسة، بل جرحًا مفتوحًا لا يلتئم. تعليق، صورة، إعادة نشر.. ثم صمتٌ طويل. كم مراهقة حدّقت في المرآة وكرهت نفسها لأن الخوارزمية قالت لها إنها «ليست كفاية»؟ لسنا أمام أزمة ترفيه، بل أمام أزمة كرامة.
الطفولة تنزف.. والملل هو الحل
كيف نطلب من طفل أن يقرأ أو يفكّر، وقد درّبناه على أن كل شيء يجب أن يحدث خلال ثوانٍ؟ التعليم لا يخسر معركة التركيز فقط، بل يخسر المعنى. والطفولة تخسر قدرتها على “الملل”، والملل هو بوابة الخيال الوحيدة.
الحرية؟ نعم.. لكن لمن؟
نحن لا نمنع الطفل من القيادة لأننا نكرهه، بل لأننا نحبّه ونعرف حدود قدرته. فلماذا حين يتعلّق الأمر بعالم رقمي أشد خطرًا، نرفع أيدينا ونقول: «دعه يختار»؟ الحرية دون حماية ليست حرية، بل تخلٍّ كامل عن المسؤولية.
كفى صمتًا
وسائل التواصل ليست ساحات بريئة، بل هي “مصانع انتباه” والمراهق هو الوقود الأرخص فيها. التشريعات لن تكون كاملة، والحظر لن يكون حلًا سحريًا، لكن الصمت لم يعد خيارًا.
إما أن نقف الآن ونقول: “الطفولة خط أحمر”، أو نواصل الاعتذار لاحقًا أمام أجيالٍ متعبة، قلقة، غاضبة، لا تعرف لماذا تشعر بكل هذا الألم.
