
بقلم الياس عيسى الياس- ديمقراطيا نيوز
التاريخ حين يطرق بلا ضجيج
ليست كل التحوّلات الكبرى صاخبة؛ بعضها يبدأ بإشارات سيميائية صغيرة تعلن أفول حقبة كاملة. واجهة متجر تُغلق بصمت في “بازار طهران”، عملة وطنية تتراجع قيمتها في ساحة “فردوسي”، أو شعور عام بأن العقد غير المكتوب بين الدولة ومواطنيها قد دخل مرحلة مراجعة قسرية. ما تشهده إيران مع مطلع عام 2026 ليس مجرد موجة احتجاج عابرة، بل هو لحظة “ارتطام بالواقع”؛ حيث تراجعت قدرة الشعارات على ملء الفراغ الذي تركه تآكل القدرة الشرائية.
من لبنان، يبدو المشهد مألوفاً؛ فالتاريخ الإقليمي يعلّمنا أن الأزمات البنيوية لا تتلاشى بالصمت. في ديسمبر 2025، انطلقت الإشارات من قلب البازار، لتعلن أن “الإسمنت القومي” بدأ يتأثر تحت وطأة تضخم تجاوز 150% وفقر طال شرائح واسعة.
فخ “السيادة الرقمية” واختبار الشرعية
في الأنظمة المركزية، لا تكمن التحديات في السيطرة على الشارع فحسب، بل في القدرة على استعادة الثقة. الإجراءات المتخذة في يناير 2026، من فرض “السيادة الرقمية القسرية”، عكست ارتباكاً في إدارة المعلومة. لقد كان قطع الإنترنت بمثابة خلق حالة من العزلة المعلوماتية التي تحجب الرؤية عن التجاوزات الميدانية بعيداً عن أعين الرقابة الدولية.
المفارقة تكمن في أن استراتيجيات الردع بدأت تصطدم بقاعدة اقتصادية: حين تصبح كلفة المعيشة اليومية موازية لكلفة الاعتراض، يتحول المواطن إلى “محتج وجودي”. إن حصيلة الضحايا الكبيرة تشير إلى أن الدولة انتقلت من مرحلة الاحتواء السياسي إلى مرحلة المواجهة الميدانية المفتوحة، مما أحدث شرخاً عميقاً في السلم الأهلي. لم يعد الأمر يتعلق بإعادة النظام، بل بمحاولة حماية بنية سياسية واقتصادية تواجه تحديات وجودية أمام تبدل المزاج الشعبي.
”سوسيولوجيا الجوع” ونهاية الوعود
لا يمكن تشريح اللحظة الإيرانية بعيداً عن الاقتصاد. الإشكالية تكمن في نمط “إدارة الندرة”، حيث نشأت “رأسمالية رفاقية” حصرت الثروة وقضت على الطبقة الوسطى. حين يفقد التومان قيمته، تفقد السياسة لغتها؛ فالناس اليوم يطالبون بـ “دولة طبيعية” تحميهم من غول التضخم. لقد تحول الاقتصاد إلى “لغة احتجاج” بحد ذاته، ما جعل المجتمع يواجه حالة من الانكشاف الفكري أمام وعود العدالة الاجتماعية غير المحققة.
بين مطرقة “أياكس” وسندان “اليتم السياسي”
إن انبعاث الرموز التاريخية في الفضاء العام الإيراني اليوم، من صور “رضا شاه” الصارمة إلى أعلام الملكية، يتجاوز كونه مجرد “نوستالجيا” عابرة؛ إنه، في جوهره، إعلان صريح عن حالة “يتم سياسي” حادة، وفقدان كلي للبوصلة نحو المستقبل نتيجة انسداد أفق التغيير السلمي. هذا المشهد يعيد إنتاج جدلية الصراع التاريخي على هوية الدولة؛ فبينما فُرضت الحداثة قسراً من الأعلى في بدايات القرن العشرين، جاءت عملية “أياكس” (TP-AJAX) عام 1953 لتواري الثرى حلماً ديمقراطياً نضج تحت عباءة محمد مصدق.
ولم تكن “أياكس” مجرد مناورة استخباراتية؛ بل كانت عملية “تعقيم” للإرادة الوطنية، حيث أدى إسقاط مصدق بتدبير خارجي وتواطؤ داخلي إلى تكريس قطيعة بنيوية بين السلطة والشارع. اليوم، يستدعي الإيرانيون تلك اللحظة كـ “مانيفستو” يرفض المقايضة المستحيلة بين الاستقلال والرفاه. إن استحضار عام 1953 وسط أزمة السيولة والجوع الحالية هو صرخة تحذير: إن غياب المصالحة مع المجتمع يشرع الأبواب لـ “أياكس عصرية”؛ قد لا تحتاج لجنرالات، بل لأدوات تكنولوجية تخترق جدار الدولة المتصدع من الداخل. وفي ظل هذا “اليتم”، تآكلت السردية الرسمية؛ فالمواطن المنهك يرى أن “الاستلاب الحقيقي” هو الفساد الذي ينهب لقمة عيشه، مما يدفع الذاكرة للهروب إلى الوراء بحثاً عن مستقبل ضاع في زحام الأيديولوجيا.
معركة السردية: “عين الهاتف” تكسر الهيبة
في عام 2026، انتقلت المواجهة إلى “المجال الحيوي للسردية”. رغم التعتيم، تحول كل هاتف إلى “وكالة أنباء”، تمنع السلطة من الانفراد بكتابة الوقائع. ولعل المنعطف الأبرز تمثل في خطاب القيادة العليا في 17 يناير؛ فقد عكس الخطاب حجم الضغوطات غير المسبوقة التي تواجهها السلطة في طهران، عبر الاعتراف بوقوع أحداث مؤلمة وصفها الخطاب بأنها تمت بشكل “وحشي وسجين”.
هذا الاعتراف وضع السردية الرسمية أمام اختبار المصداقية الأصعب في تاريخها. إن صور الضحايا بدأت تعيد صياغة “هوية وطنية جديدة” تتبلور في خندق الألم المشترك، عابرة للقوميات من الكرد إلى الفرس.
السيناريوهات المفتوحة..
تقف إيران اليوم أمام مسارات معقدة تتطلب حكمة استثنائية في الإدارة؛ فهي إما أمام خيار المراجعة البراغماتية التي تتبنى إصلاحات اقتصادية هيكلية تلبي تطلعات الشارع، أو مواجهة خطر الاستنزاف الطويل الذي قد يضغط على الاستقرار الداخلي، أو الدخول في حالة من الغموض السياسي نتيجة الفجوة بين الطموحات الشعبية والواقع الاقتصادي.
إن المشهد الراهن يمثل مختبرًا لأسئلة الوجود في المنطقة: كيف يمكن للتوازنات السياسية أن تستجيب لضغوط “المجتمع الرقمي” واحتياجاته المعيشية الملحة؟ الدرس المستفاد هنا، والذي يتقاطع مع تجارب إقليمية عديدة، هو أن الاستقرار المستدام يرتبط عضويًا بالقدرة على تأمين الكرامة المعيشية وحماية الأمان الاجتماعي من تداعيات التضخم والانهيار المالي.
لقد انتهى زمن الحلول الموضعية، وبدأت مرحلة المواجهة مع التحديات الهيكلية الكبرى. وما بعد يناير 2026، سيمثل حتمًا انعطافة تاريخية تتطلب إعادة قراءة العقد الاجتماعي بروح العصر، بعيداً عن الصيغ التي استنفدت غاياتها، لضمان مستقبل يتسع لطموحات الإنسان واستقرار الأوطان.
