
بقلم الياس عيسى الياس – ديمقراطيا نيوز
تأملات “سينيكا” في خريف نوح زعيتر(بين القضاء والقدر)
بينما يجلس “البارون” على كرسيه الواهن في قاعة المحكمة، مستجدياً نفساً أو براءة، يستحضر العقل روح “سينيكا”، الفيلسوف الرواقي الذي خبر قصور الأباطرة وسجون الطغاة، ليخطّ بمداد الحكمة تأملاً في سقوط القوة وانحدار القيم.
يا لوسكيليوس، إن مشهد القوة وهي تنهار ليس غريباً على عين الفيلسوف، لكنه دائماً ما يثير الشجن. انظر إلى هذا الذي سمّوه “البارون”، كيف يقف اليوم عاجزاً عن حمل جسده، مستنداً إلى كرسيّ خشبي في قاعة المحكمة، وهو الذي كان يظن أن جبال البقاع لن تميد به أبداً. إنها الأقدار يا صديقي، ترفع الإنسان لتريه علوّ السقوط، وتمنحه “حصانة” مؤقتة لتجعله ينسى أن الموت والعدالة يزحفان خلفه بخطىً وئيدة لا تُخطئ طريقها.
كان يحيط نفسه بـ “لواء القلعة”، وظن أن الحجارة والبنادق والموالين هم حصنه المنيع. ولكن، أي قلعة تلك التي تُبنى على سموم تُذهب العقول؟ إن القوة التي لا تستند إلى الفضيلة هي قوة واهنة، كبيتٍ بُني على الرمل فوق شاطئ هائج. زعيتر لم يسقط بالرصاص، بل سقط بالوهن، سقط حين جفّت ينابيع الحماية السياسية التي كانت تمده بالحياة.
إن هؤلاء الذين وصفهم في المحكمة بـ “المجانين والمنبوذين” لأنهم شهدوا ضده، هم في الحقيقة “مرآته” التي رفض أن ينظر فيها. لقد صنع جيشاً من الظلال، وعندما غابت شمس الحماية، تلاشت تلك الظلال ولم يبقَ معه سوى “الأنين” وإضرابٍ عن الطعام هو في حقيقته إضرابٌ عن واقعٍ لم يعد يحتمله.
دعنا نتحدث يا لوسكيليوس بلغة “العناصر” التي يتكون منها الوجود. لقد منحنا الله الطبيعة لنتداوى بها، لكنّ الإنسان بطمعه حوّل كيمياء الحياة إلى كيمياء للموت. إن ما يسمونه “الكبتاغون” (Captagon) ليس مجرد قرص أبيض، بل هو “اضطرابٌ كيميائي” يُبطل عمل العقل الذي هو أسمى ما يملكه الإنسان.
من الناحية العلمية، يعبث هذا السم بالناقلات العصبية، يسرق من الشاب إرادته ومن الشابة طموحها، ويحول الإنسان من “كائن مفكر” إلى “آلة مسلوبة الروح”. إن الجريمة هنا ليست في “التهريب” فحسب، بل في “اغتيال العقل الجماعي”. عندما يدافع البارون عن نفسه نافياً “الاتجار الكبير”، فإنه ينسى أن ذرة واحدة من هذا السم تكفي لهدم أسرة كاملة. هل تظن أن الطبيعة ستغفر لمن حوّل مختبرات العلم إلى مصانع للجنون؟ إن الطبيعة تنتقم دائماً، وانتقامها من البارون اليوم هو هذا “الوهن” الذي يجعله يرتجف أمام القضاة.
تسألني يا صديقي: أين كانت الدولة؟ ولماذا تأخر العقاب؟ وهنا تكمن العبرة المأساوية. إن السلطة السياسية التي تمنح “الحماية” لمن يخرق القانون هي سلطة تنتحر ببطء. لقد كان الجيش اللبناني، ذلك الجسد القوي، مقيداً بـ “أغلال السياسة”.
يا له من خزي! أن يمتلك الفارس سيفاً ولا يجرؤ على استلاله لأن “سيده” يخشى على مصالحه خارج الحدود. إن “الضوء الأخضر” الذي ظل مطفأً لعقود لم يكن عجزاً تقنياً، بل كان “قراراً بالفساد”. لقد قُدمت أجساد الشباب اللبنانيين قرباناً على مذبح المصالح الجيوسياسية. وإنني أسأل هؤلاء الجالسين في قصور القرار: كيف تنامون وصراخ الأمهات اللواتي فقدن أبناءهن بالـ Overdose يملأ ليل لبنان؟
إن التاريخ لن يذكر نوح زعيتر بصفته “روبن هود”، بل سيذكره بصفته “الأداة” التي استخدمتها سلطة غاشمة لتمزيق النسيج الاجتماعي تحت ستار “المقاومة” أو “العشيرة”.
إن أشد ما يؤلم في هذه “المعمعة” ليس مصير البارون، بل مصير تلك الزهور التي ذبلت قبل أوانها. شبان وشابات، في مقتبل العمر، تحولت حياتهم إلى سواد بسبب جرعة زائدة أو اكتئاب حاد. عائلات لبنانية كانت عزيزة القوم، انتهت إلى الفقر والفضيحة والانكسار.
لماذا كان عليهم أن يبكوا في صمت؟ لأن المجتمع الذي يحمي “التاجر” القوي، هو نفسه المجتمع الذي يحتقر “الضحية” الضعيفة. لقد كان البارون يوزع المال بيمينه، ويسرق الأرواح بشماله عبر شبكاته، والناس تصفق للذهب الملطخ بالدم. يا له من عمىً أصاب البصيرة! إن “الفضيحة” الحقيقية ليست في تعاطي شاب للمخدرات، بل في وجود دولة تسمح لـ “بارون” أن يصبح “دولة داخل الدولة”.
يقولون إن القانون أسقط 33 ملفاً بـ “التقادم”. يا للسخرية! هل “يتقادم” دمع الأم؟ هل “يتقادم” دمار الكبد والقلب؟ إن التقادم هو اختراع للبشر لكي يهربوا من مسؤولياتهم، أما “قانون الطبيعة” فلا يعرف التقادم.
تأمل يا لوسكيليوس هذا المشهد الممعن في السخرية؛ إن وقوف البارون اليوم متعثراً، ثم انكساره جالساً على ذلك الكرسي الخشبي، ليس مجرد إجراءٍ قضائي، بل هو “تهكم كوني” يزدري بؤس “العدالة البشرية” وتأخرها. لقد ادعى المسكين أنه جاء “ليسلم نفسه” تخلصاً من “المعمعة”، غافلاً عن أن “المعمعة” الحقيقية لا تبدأ بالبارود والهروب، بل تبدأ الآن، حين تخلو النفس بنفسها في عتمة الزنزانة لتواجه عري الحقيقة بلا حراس ولا قلاع.
انظر كيف يتمسح الآن بقدسية بزة الجيش، مدعياً أنه ما أطلق النار إلا تحية لشهدائه! يا له من “نفاق الضرورة” الذي يُنطق لسان الطغاة حين تذوي قوتهم. إنها الحيلة القديمة ذاتها، حين يرتدي الذئب صوف الحمل الوديع، ليس توبةً عن افتراسه، بل لأن أنيابه نُزعت، ومخالبه تكسرت على صخرة الواقع. إن استجداءه للبراءة اليوم هو اعترافٌ ضمني بأن “الإمبراطورية” التي شيّدها من رمال السموم قد ذرتها الرياح، ولم يبقَ منها إلا جسدٌ يرتجف وكرسيٌ يشهد على زوال العظمة الزائفة.
يا أبناء لبنان، لا تنظروا إلى البارون كبطل تراجيدي، ولا كشيطان وحيد. انظروا إليه كـ “مرض” نبت في جسدٍ عليل. إن الشفاء لا يكون بسجن رجل واحد، بل بقطع يد “السلطة” التي تمنح الضوء الأخضر للموت.
إنني من مكاني هذا، ومن عمق الحكمة الرواقية، أقول لكم: إن الفضيلة هي الحصن الوحيد الذي لا يسقط. والتعليم هو السلاح الوحيد ضد المخدرات. والدولة التي لا تحمي أبناءها من “تجار الكيف” هي دولة لا تستحق الولاء.
إن البارون، بوهنه وعجزه، يرسل لكم رسالة أخيرة: “كل ما يُبنى على باطل، ينتهي إلى وهن”. لقد سقطت الأسطورة، وبقيت الحقيقة العارية: وطنٌ يئن، وشبابٌ ضاع، وسلطةٌ تخجل من نفسها في مرآة التاريخ.
لقد طلب البارون “أكيد البراءة”، وطلب نقله لمبنى آخر ليموت بسلام. ولكن، هل يمنحه الضحايا براءة في قلوبهم؟ هل تمنحه الأمهات “أكيد الصفح”؟
يا لوسكيليوس، إن الحياة قصيرة، ومن العبث أن نقضيها في جمع ذهبٍ سيفنى، أو في بناء نفوذٍ سيتلاشى. إن البارون هو الدرس القاسي الذي يجب أن يتعلمه كل من يظن أن القوة تدوم. لقد انتهى زمن “القلعة”، وبدأ زمن الحساب. وإنني أرجو، لا من أجل البارون بل من أجل لبنان، أن تكون هذه المحاكمة هي “الضوء الأخضر” الحقيقي لقيامة الدولة، لا مجرد مسرحية هزلية تنتهي بأربعة أشهر من السجن، بينما السموم لا تزال تتدفق في عروق الوطن.
استقم يا لوسكيليوس، فالحقيقة مرّة، لكنها الطريق الوحيد للحرية.
