بقلم الدكتور طلال خواجه – ديمقراطيا نيوز

في ورقة النعوة التي حملت اسماء ضحيتي فاجعة المبنى المنهار في القبة/طرابلس اليسار المير و والدها كتب “يصلى عليهما في مسجد قريتهما “مار توما” في عكار.
عادت بي الذاكرة الى وفاة زميلي في كلية العلوم في القبة د.نقولا فارس حين حضرنا جنازه في “كنيسة الشيخ محمد” في عكار ايضا.
ما اعادني ايضا الى بعض الذكريات بين جامع محمود بك و كنيسة السيدة المتجاورين في التبانة.
تلك خصوصية لبنانية جعلت البعض يقول داخل كل مسلم لبناني نكهة مسيحية و داخل كل مسيحي لبناني نكهة مسلمة.
لم تكن قبة النصر الحي الطرابلسي الوحيد الذي جذب اليه اهل القرى و البلدات الشمالية بتنوعهم الغني وحضن الكثير من العائلات اللبنانية التي اختارت السكن في مدينة الود والالفة الاجتماعية. و ذلك رغم القلق الطرابلسي الدائم الذي يتأرجح منسوبه مع ميزان الاحداث والفوالق السياسية المتحركة منذ القرن التاسع عشر والتي افقدت المدينة العريقة بالمقابل و تباعا الكثير من نخبها الاقتصادية والاجتماعية و المهنية والثقافية والعلمية نحو بيروت الكبرى و نحو عواصم العالم الكبرى، كما نحو مدن الخليج الصاعدة . الا ان لحي القبة الذي يتمدد على تلة طرابلسية جميلة تشرف على القلعة والنهر،و تربط المدينة بمعظم اقضيتها قصة أخرى. فقد جذبت التلة في مطالع القرن الماضي شركة IPC و القيادة الفرنسية، فضلا عن المدارس
والإرساليات كالمدرسة الانجيلية و مدرسة الراهبات والمدرسة الأورثوذكسية، وسكنها كوكبة من العائلات الطرابلسية، ما تزال بعض بيوتها القليلة تشهد على حس معماري جميل، رغم الندوب والهريان والتآكل و الانهيار الذي رافق زمنها القاسي.
شكل موقع القبة و مناخها، معطوفا على وجود بعض المرافق الحيوية فيها كالريجي والنافعة و المستشفى الحكومي و قيادة المنطقة ولاحقا فروع الجامعة اللبنانية عامل جذب الى الحي و جواره.
ومع ان هذا الجذب اخل بالطبيعة البيئية و الاجتماعية للسكان و زاد من كتل الباطون العشوائية على حساب المساحة الخضراء، الا انه ارسى حيوية وتنوعا جعل لخلطة الحي نكهة تكاد تلخص العائلة اللبنانية. كما تعزز في شوارع المنطقة في الستينيات و خصوصا شارع الارز ملامح التحديث والعصرنة التي طبعت شارع عزمي والبولفار و وسط المدينة عموما.
لم تكن الطلقات النارية الاولى في اعالي القبة بين الاهل في طرابلس و زغرتا عند انفجار الحروب في سنة ١٩٧٥ المؤشر الاول على تدهور الحي والمدينة عموما. ذلك ان البعض البس بعض ازقة طرابلس ثياب العسكرة و الفوضى مبكرا.
الا ان للقبة وجوارها في بعل محسن والتبانة و ضهر المغر حصة مضاعفة في التداعيات العمرانية والديمغرافية والاجتماعية والبيئية، خصوصا مع الحقد الخاص الذي كان يحمله نظام الاسدين المجرم نحو قارورة الطيب الطرابلسية كما أطلق نزار قباني على الفيحاء.
شكل مشروع الحريري في القبة بمواصفاته النوعية محاولة لقلب المعادلة و اعادة شرائح من الطبقة الوسطى الى المنطقة، و حاولت جمعية بوزار للثقافة والتنمية محاكاة المشروع مطلقة حركة تحديثية بترميم مباني العلوم و المنطقة المحيطة في شارع الجيش وانشاء جدار بوزار للسلام و نصب بوزار للتواصل الثقافي والاجتماعي، تمهيدا لتأسيس المركز الانمائي والاجتماعي، بالتعاون مع البلدية والجامعة اللبنانية و جمعيات و مؤسسات رسمية ومدنية. كما رممت جمعية فرح العطاء مبان كثيرة متضررة من الحروب والتفجيرات و الفقر و الاهمال، الا ان تحرك الفوالق السياسية في سوريا ولبنان و انطلاق الربيع السوري و دخول حزب الله طرفا في قمع الشعب السوري المنتفض، ادخل المدينة من نوافذ القبة وبعل محسن والتبانة في مواجهات دامية بين الاهل مجددا.
و بالكاد تنفست الفيحاء قليلا بعد توقف جولات العنف، حتى انفجر البلد “المخطوف”بازمات متعددة استدعت انتفاضة الغضب، تلتها جائحة كورونا و حرب الاسناد العبثي الذي جذب الوحش الاسرائيلي واستجر الموت والدمار.
و رغم ان المدينة شكلت ايقونة الإنتفاضة، الا ان الاختراقات والتداعيات الامنية والاجتماعية، مصحوبة بالفوضى و التجاوزات والمخالفات، خصوصا في المناطق المهمشة اعادت تظهير قضايا و ازمات طرابلس البنيوية، وفي مقدمها ازمة الابنية المتصدعة التي عقدتها الحروب والعوامل الطبيعية و”المخالفات المحمية” و تراجع الصيانة الضرورية بسبب الاهمال من جهة و مشكلة الايجارات وضعف الامكانيات و انكفاء او فساد اجهزة الدولة من جهة أخرى. و ازمة الصيانة متمددة في كل المدينة، بما فيها المباني الحديثة نسبيا والتي تمتاز “بالتشويه الحديث” الفاقد للحس المعماري الجميل الذي طبع المدينة قبل الغزو الباطوني القبيح.
لقد شهدت اليسار التي اخرج جثمانها الدفاع المدني بعد ايام مضنية، اوسع حملة تضامن، تكاد توحد جميع اللبنانيين الذين رؤوا في معالجة الابنية المتصدعة ترميما لبلدهم المتصدع.
و حسنا فعل رئيس الحكومة في الحضور السريع الى طربلس المفجوعة قادما من باريس. على امل ان تتضافر الجهود لتكون بداية جدية لمعالجة هذه الازمة بابعادها المختلفة و في مقدمها البعد الانساني.
و الامل موصول بان تستعيد الدولة الامساك بزمام الامور عبر تطبيق القوانين العادلة، ليس فقط في قضايا البناء والايجارات و التجاوزات والبيئة التي شهدت تدهورا مفجعا، بل في جميع القضايا الساخنة التي حولت وطن الارز الى بلد متصدع، وفي مقدمها قضية احتكار العنف وحصر السلاح بكل انواعه و”مقاساته”في قواها الشرعية.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top