
بقلم الياس عيس الياس- ديمقراطيا نيوز
يُحكى أن سفينةً حاصرتها الأمواج في قلب إعصارٍ هائج، وبينما كان الركاب يصارعون الموت رعباً، وجدوا القبطان جالساً في ركنٍ هادئ يرتشف قهوته ببرود! صرخوا فيه بذهول: “السفينة ستتحطم، لماذا تركت المِقوَد؟”، فأجابهم بهدوءٍ قاتل: “لستُ أنا من يقود، إنه المحيط.. الرياح أقوى مني، والظروف حكمت علينا بالفشل، فلماذا أتعب نفسي بالمحاولة؟”. في تلك اللحظة، لم تكن الرياح هي من أغرق السفينة، بل استسلام القبطان، وهذا تماماً ما يفعله الكثير منا اليوم؛ نرتكب الأخطاء، نفشل، أو نتكاسل، ثم نشير بأصابع الاتهام إلى المجتمع، الفقر، أو سوء الحظ، لنعيش صراعاً أزلياً بين حقيقة أننا “مخيّرون” نملك زمام أمرنا، وبين الهروب إلى وهم أننا “مسيّرون” لنعفي أنفسنا من عبء المسؤولية.
حين قرر الفيلسوف جان بول سارتر أن «الإنسان محكومٌ عليه بأن يكون حراً»، لم يكن يقدم لنا هبةً أو مكافأة، بل كان يرمي على عواتقنا مسؤوليةً باهظة تخترق كل دروع الأعذار التي نتحصن خلفها. فالتذرع بالظروف، في ميزان الحقيقة، ليس إلا نوعاً من «النية السيئة»؛ تلك المحاولة البائسة التي يسعى من خلالها المرء لإقناع نفسه بأنه مجرد «شيء» جامد تذروه الرياح حيث تشاء، متناسياً أنه في جوهره يملك السيادة المطلقة على رد فعله تجاه أي قدر. قد لا نملك حق اختيار «المادة الخام» لحياتنا، كأوطاننا، أو عائلاتنا، أو حتى الحقبة التي وُلدنا فيها، لكننا نملك كامل الخيار في طريقة صياغتها. فالظروف ليست إلا حجراً أصم، وأنت النحات؛ فإما أن تطوع صلابتها لتخلق منها تمثالاً يتحدى النسيان، أو تتذرع بقسوتها لتظل مجرد طينةٍ خاملة بانتظار من يشكلها.
إن أقوى دليل على أن الإنسان هو سيد مصيره، يظهر في قصة الطبيب النفسي «فيكتور فرانكل»؛ ذاك الرجل الذي عاش أهوال معسكرات الاعتقال النازية. هناك، حيث لم يكن السجين يملك حتى اسمه، بل كان مجرد «رقم» محفور على جلده، وحيث سُلب منه كل شيء: عائلته، ملابسه، وكرامته. وسط ذاك الجوع والبرد والموت الذي يحيط بالجميع، حدث أمرٌ لا يصدقه عقل؛ فقد كان هناك سجناء يمرون بين الزنازين ليواسوا غيرهم، ويوزعون كِسرة خبزهم الوحيدة على من هم أضعف منهم، مفضلين إطعام غيرهم على إنقاذ أنفسهم. لقد علمنا فرانكل من وسط الرماد درساً لن ينساه التاريخ: «يمكنهم سلب كل ما تملك، إلا شيئاً واحداً؛ حريتك في اختيار طريقتك في الاستجابة لما يحدث لك». أنت لست ضحية لما يحدث لك، بل أنت صاحب القرار في كيف ستواجهه.
وكما يختار الشخص طريقه، تختار الشعوب مستقبلها أيضاً. انظروا إلى «سنغافورة» في الستينيات؛ لم تكن سوى جزيرة صغيرة، فقيرة، تنهشها الأمراض، ولا تملك حتى مياه الشرب التي كانت تستوردها من جيرانها. كانت كل الأبواب مغلقة، وكل الظروف تقول إن هذه الجزيرة ستموت لا محالة. لو استسلم قادة سنغافورة لواقعهم المرير، لظلت بلادهم مجرد مستنقع منسي على خارطة العالم. لكنهم قرروا واختاروا أن يكون الإنسان السنغافوري هو ثروتهم الحقيقية بدلاً من النفط والذهب. واليوم، تقف سنغافورة بناطحات سحابها واقتصادها العملاق لتخبر العالم كله: الظروف ليست قدراً نهائياً، بل هي مجرد جدار بناه الواقع، وبإمكانك أنت أن تحوله إلى جسر تعبر به نحو أحلامك.
إننا نشهد اليوم نوعاً من «التعاطف المسموم» الذي يضر أكثر مما ينفع؛ حين نبرر للمخطئ خطأه بظروفه، أو نُعفي الفاشل من سعيه بحجة فقره. في الحقيقة، نحن بهذا المنطق لا ننصف هؤلاء، بل نهين أسمى ما يملكون! فعندما نجزم بأن الإنسان لا يملك خياراً أمام واقعه، فنحن نجرده من إنسانيته ونعامله كآلة مبرمجة أو كائن مسلوب الإرادة لا حول له ولا قوة. الكرامة الحقيقية لا تكمن في الهروب من المسؤولية، بل في الاعتراف بأن الإنسان مهما طحنته تروس الحياة يظل يحمل في داخله تلك «الشرارة» المقدسة التي تمكنه من التمرد على انكساره بدلاً من الغرق فيه.
إن الأمم لا تنهار بسبب كثرة عثراتها، بل بسبب تراكم «ثقافة التبرير» التي تحول الشعوب إلى ضحايا ينتظرون المعجزات. فالحرية الحقيقية ليست مجرد فعل ما نهوى، بل هي الشجاعة في تحمل عواقب ما نفعل. قد تبني الظروف جدران الصمت واليأس حولك، لكن القرار يظل لك وحدك: هل تجعل من هذه الجدران قبراً يدفن طموحك، أم تحولها إلى سُلّمٍ صلبٍ تتسلق عليه نحو خلاصك؟ تذكر دائماً، أنت لست مجرد ريشة تائهة تذروها الرياح حيث تشاء، بل أنت إن شئت وآمنت الريحُ ذاتها.
