
بقلم جوزاف وهبه
إنتهى “زمن وفيق صفا”.أسدلت الستارة، وتفرّق العشّاق، كلّ إلى “حبيبه الأوّل”.وحده يبقى “وفيق” بلا رفاق الدرب.منهم مَن استشهد، ومنهم مَن بات يفتّش عن “مرقد عنزة”، ومنهم مَن يقف متفرّجاً شامتاً آسفاً حزيناً على “الزمن الأصفر الجميل”.
سقط “المرشد الأمني” على يد المجاهدين الأوائل، بعد أن تحوّل “الرمز” إلى عبء ثقيل، ربّما عجزت عنه آلة الحرب الإسرائيليّة، فاختار له رفاق الدرب سبيل الإنكفاء والإقالة، دون أن يعني ذلك أنّ “أخطاءه الكثيرة والقاتلة” مغفورة أو منسيّة، أو ساقطة بمرور الزمن.ملفّ “وفيق صفا” طويل وشائك، ولا غرابة في أن تُنهيه – يوماً ما – رصاصات انتحار قاتلة تشبه إلى حدّ بعيد رصاصات غازي كنعان، غير المأسوف عليه!
كلاهما – غازي ووفيق – قاتلان محترفان، ولائحة الشهداء تطول وتطول:من كمال جنبلاط..إلى محمد شطح.والمشترك بينهما أنّهما قد اختارا النخبة (لا بل نخبة النخبة) أمثال الرئيس رفيق الحريري، وقبله الرئيسان بشير الجميّل ورينه معوّض، ومعهم سمير قصير ووسام الحسن وجبران تويني وبيار الجميّل ولقمان سليم..وكان قد سبق جميع هؤلاء المفتي حسن خالد والشيخ صبحي الصالح والمناضل الشعبي خليل عكّاوي وشلّة من الشيوعيين والبعثيين العراقيين، وكلّ مَن تجرّأ وحلم بالحرّية أو العدالة أو الديمقراطيّة.”غازي ووفيق..ورستم” وما يمثلون أعداء الحياة والثقافة والفكر بالسليقة.يتقنون فنون كواتم الصوت، والسيّارات المفخّخة، واختطاف كلّ بصيص أمل بوطن سعيد وشعب يحلو له أن يمارس أبسط حقوقه في العيش والقول والتفكير بصوت عالٍ!
المهمّ سقط “وفيق صفا” الذي تنمّر – ذات مرّة – من قصر العدل، مهدّداً المحقّق العدلي طارق بيطار في قضيّة إنفجار مرفأ بيروت..ومن صخرة الروشة، مهدّداً الدولة بشخص رئيس الحكومة نوّاف سلام بمظاهرة “الأمر لي” رافضاً الإعتراف بأنّ حزبه قد هُزم، وأنّ أمينه العام (التاريخي) قد قُتل، وأنّ لعبة التفوّق (العسكري – المذهبي) قد انتهت..وأنّ الخامنئي نفسه (قدّس الله سرّه) قد بات في “بيت يك” الشيطان الأكبر (ترامب وأساطيله وجبروته)، مفتّشاً عن “خرم إبرة” في مسقط عُمان علّه يخرج منه سالماً معافى بأقلّ خسائر ممكنة!
خرج وفيق صفا..ولكن تبقى دفاتره القديمة – الجديدة:متى تُفتح؟ الظالم لا يجوز أن ينام ويهنأ في فراشه، أو أن تغمض له عين.قّصة قايين (أوّل قاتل في تقويم الأديان السماويّة) ماثلة للعيان.عين الله لا زالت تلاحقه:قايين، قايين..ماذا فعلت بأخيك هابيل؟ وهنا الحديث عن جريمة واحدة، فكيف الحال مع قاتل متسلسل؟ لن تستقيم النهاية مع عزله من منصبه، وتعيين مسؤول آخر، على رمزيّة وأهمّية الإجراء في الواقع السياسي المستجدّ، والذي يقول بأنّ حزب الله، اليوم، لم يعد حزب المئة ألف صاروخ، وتعليمات نصرالله للجمهوريّة اللبنانيّة بالأصبع المرفوع، ولا السلاح المقدّس، ولا البيئة الحاضنة التي يحقّ لها ما لا يحقّ لغيرها.الدنيا تبدّلت، وما إزاحة “صفا” إلّا الحبّة الأولى من العنقود..ولكن رغم كلّ هذا، لا بدّ من رفع الصوت من قبل جميع شهداء “كواتم الصوت”:وفيق، وفيق..ماذا فعلت بقياداتنا وأحبّتنا وأولادنا؟ وفيق، وفيق..ماذا فعلت بالوطن؟
المحكمة الآتية حتماً، كي تستقيم الذاكرة وكي يتعافى الوطن، تسابق أولي الأمر الذين يعرفون ما اقترفت يداه، ويعرفون أنّ أسرار الحياة والموت ملك يمينه، وأنّ عزله وحده لا يكفي.هو شرّ مستطير:التخلّص منه ضرورة للبعض..وعقاب لا بدّ منه للبعض الآخر.”وفيق صفا” ليس مجرّد مسؤول أو إسم عابر.هو حالة صبغت البلد طوال أكثر من ثلاثة عقود من الزمن، باللون الأحمر.لون القتل بسبب الرأي.لون استسهال إلغاء الآخر بسبب الإختلاف في وجهات النظر.
صحيح أنّ إزاحته من المشهد السياسي الأمامي تعبير عن التحوّلات العميقة في موازين القوى الداخليّة والخارجيّة، إلّا أنّ ذلك لا يكفي.لا يشبع أهالي الشهداء، بمَن فيهم شهداء المرفأ، بمَن فيهم كلّ لبناني حرّ يتوق إلى عدالة الأرض..تاركين لربّ العالمين أن يستكمل عدالة السماء!
إنتهى “وفيق صفا”..وانتهت معه حقبة سوداء، تشبه إلى حدّ بعيد حقبة “الأسدين” الأشدّ سواداً في التاريخ الحديث!
