“رفيق الحريري” .. أراد لنا وطنًا يليقبنا !!

بقلم خالد صالح

كلّما حلّ الرابع عشر من شباط في سردية الزّمن، كلما شعرنا أكثر بالحاجة إلى “رفيق الحريري”، فيتعاظم الحزن على هذا الكبير الذي فقدناه وهو في عز قدرته على العطاء، ونحن بالمقابل لا نجد من نعوّضه أو يكمل ما كان بصدد بنائه، اليوم يشهد له “الفراغ” المدوي الذي يلّفنا جميعًا، والارتباك الرسمي الذي يفضح عجزنا عن المبادرة، وقصورنا عن المواجهة بعدما “وقعت الفاس في الراس” ..
يستحقّ الرئيس الشهيد “رفيق الحريري” أن يعطيه اللبنانيون من عواطفهم ومن تقديرهم مثل ما أعطوه في حياته، ثم مثل ما أعطوه بعد استشهاده وانطواء رهانه على إمكان التغيير الذي كان عنوانًا لمشروعه عندما دخل الحكم مقتحمًا، والذي لم ينطفئ تمامًا بعد تغييبه بجريمة الاغتيال المروّعة التي مازالت تداعياتها الخطيرة تؤثر على استقرارهم وعلى صورة غدهم بما يهدد اطمئنانهم إلى سلامة مجتمعهم ومن ثم دولتهم.
“رفيق الحريري” الذي جاء إلينا من أقاصي التعب والخوف ليزرع فينا أمنًا وآمانا، جاء من المقلب الآخر لواقعنا السائد آنذاك، لم يكن منهم ولم يقبلوه كي يكون بينهم، قتلوه، هم قتلة وسارقون ونهّابون وطائفيون ومذهبيون ومناطقيون، هم أرادوا بلدًا ينتج أمثالهم وينتج لأجلهم، أرادوا بلدًا ينهبونه و “يحلبونه” حتى آخر قطرة أمل في الحياة، أرادوا بلدًا كما يتمنّى صاحب الشاة، أن تسمن كما ينبغي فيغتني بحليبها وصوفها وسمنها ولحمها، وهو أراد وطنًا يليق بنا ..
السياسة التي لم يقبل بها “رفيق الحريري” هي الصراع على السلطة، أن يشارك الميليشيات والإثنيات والمذاهب والطوائف والهويات المناطقية الأخرى ممارستها الحقد، بينما هو لم يعرف الحقد سبيلًا إلى قلبه، كانت الدولة لديه هي المبتدأ والخبر، بينما كان الحقد (ولايزال) كل شيء عندهم، سياستهم الحقد والكره واقتصاص الغنيمة، واحتصاص الطائفة، وإفقار الناس، أنتجتهم الحرب الأهلية، هو أنتج “اتفاق الطائف”، كانت عينه على الإعمار وإعادة النهوض والحياة الكريمة، بينما بقيت أعينهم على الحرب الأهلية وعلى المنهبة التي زامنتها، طبقة سياسية تشكلت من خصومه وممن كانوا حوله، حاولوا تدجينه كي يصير واحدًا منهم، لم يستطع ذلك، بقي غريبًا، كالنبي “صالح” في قومه، لم يستطيعوا إبعاده رغم الخناق الذي شدّوه حوله، فلجأوا إلى العقوبة القصوى: القتل ..
كان عربيًا عروبيًا بكلّ وجوده، وحدويًا يرى الوحدة من خلال بناء الدولة في لبنان، والدولة بالنسبة إليه هي القانون والعمل والإنجاز .. قال مرة للمُكلف بالإعمار: “أريدُ إعادة بناء المدينة الرياضية”، قيل له هناك أولويات أهم، قال اقترب، وشوش في أذنه: “ما هو أول مبنى قصفته اسرائيل في اجتياح العام 1982؟”، الجواب كان المدينة الرياضية، قال: هل فهمت؟، أريد التصاميم خلال شهر، كان له ذلك، كلامه عن الإعمار كالموسيقى، تشنّف الآذان وتتراقص لها الأفئدة، خرج مرة من جلسة مجلس الوزراء قائلًا وهو يتمايل فرحًا: “قرّرنا لكم مشروع ترميم ألف مدرسة رسمية، الشرط أن ينتهي العمل خلال سنة، كي نحيل لكم ألف مدرسة أخرى”، أيضًا كان له ذلك.
آمن بالدولة اللبنانية وأبدية كيانها، قيل له الأبدية لله وحده، تجّهم وجهه وكأن القائل لا يفهم، أجاب نعم!! ليس لنا إلا الدولة، وجودنا مرهون بها، بالعيش فيها، بالعيش سوية فيها، مسلمًا من النوع التقليدي، يصوم شهر رمضان بكامله من دون أن يشعر أحد بذلك، فالعلاقة مع الله سبحانه وتعالى تخصّه وحده وليست وسيلة لتحقيق الغايات، الدين بالنسبة له هو ما ينبع من القلب، لا من الطقوس ومما حولك، الإيمان أساس الدين لا الطقوس، الإيمان في القلب، في أعماق النفس ولا ضرورة أن يظهر ذلك على الملأ.
كان من خارج السياق العربي المعتاد، رئيس وزراء فعلي، لا يوجد في بلد عربي واحد رئيس وزراء فعاليته أكثر من موظف، كان غريبًا أيضا في المنظومة العربية؛ يفهمها من دون شقاق معها، ومن دون نفاق لها، فهم أن العروبة لا تتأكّد إلا ببناء الدولة القوية العادلة، أن تكون لبنانيًا حقيقيا هي عروبتك، مفهوم جديد للعروبة؟ فليكن، الحياة تطوّر وتقدم، لا تقدم إلا بالإنجاز حيث أنت، إسرائيل عدو يتربص بنا على الدوام، ولاسبيل لمقاومتها إلا ببناء الدولة والتقدم والنهوض الاقتصادي والاجتماعي.
عندما اقتحم السياسة في لبنان، وبدأ بتنفيذ أحلامه لنهضة بيروت “القلب” وبقية المناطق، رموه بتهمة بناء الحجر قبل البشر، تجاهلوا أن الانسان لا يترك للطبيعة، يوضع في الحِجر (المهد) أولًا، تجاهلوا أيضًا أنه بدأ بمؤسسة الحريري للتعليم العالي (الحصيلة أكثر من 35 ألف خريج) قبل توليه السلطة ومباشرته الإعمار، وكان مفرطًا في أن لا تكون له منة على أحد، قيل فليكن لخريجي مؤسسة الحريري “رابطة”، لكنه رفض.
دعا إلى إجتماع موسّع في الرياض، سأل: “كم طالبًا أصبح لدى المؤسسة؟” قيل عشرة آلاف ومئة، قال عدد أولادي سبعة، الآن أصبح عندي عشرة آلاف ومئة وسبعة أولاد، كلهم أبنائي، كان مُشبعًا بالروح العملية؛ يعرف أنه يخطئ ويصيب، وأنه ينجح ويفشل، تجريبي حتى النخاع، يرفضون له مشروعاً في مجلس الوزراء فيأتي إليهم بعشرة مشاريع أخرى، يجيد المناورة، يفهم السياسة، يعرف أنها تراكم تسويات، وأن الواقع ليس وجهة نظر، وأن الرأي الصحيح هو ما يتم تعديله حسب الوقائع، وأن الوقائع تُكتشَف تدريجيًا ..
ها نحن في قلب العاصفة وليس بيننا “رفيق الحريري”، لذلك استعصت الحلول على مختلف الجهات، إذ أننا بعد إحدى وعشرين سنة لانزال نردد صدى رؤيته “ما حدا أكبر من بلدو”، هذا البلد الذي استودعه الله هو وشعبه الطيب، هذا البلد الذي خاطب اللبنانيين قاطبة “كونوا لوطنكم يكن وطنكم لكم” ..
لكن هيهات أن يجود علينا زماننا بـ “رفيق الحريري” من جديد ..

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top