
بقلم الياس عيسى الياس- ديمقراطيا نيوز
يُحكى في أساطير اليونان القديمة عن “أورفيوس”، ذاك الشاب الذي لم يكن يملك سلاحاً سوى قيثارته، لكنه بها استطاع أن يفعل ما عجز عنه الأبطال والملوك. تقول الأسطورة إنه حين فقد حبيبته “يوريديس” واختطفها الموت إلى عالم الظلام السفلي، لم يذهب هناك ليحارب بالسيف، بل ذهب يغني. وبصوت أوتاره الرقيقة، استطاع أن يُليّن قلب ملك الموت القاسي، ويجعل الوحوش تهدأ، والأنهار تتوقف عن الجريان لتنصت له.
هذه القصة ليست مجرد حكاية خرافية، بل هي اللحظة التي أدرك فيها الإنسان لأول مرة أن الموسيقى هي مفتاح “الخروج من السجن”، السجن الذي نسميه الزمان والمكان، وهي الأداة التي نسترد بها كرامتنا أمام فناء الجسد. إنها “رعشة الروح” التي قرر بها الإنسان أن يتمرد على ثقل الأرض وقوانين المادة، وكأنها تؤكد مقولة نابليون بونابرت بأن “الموسيقى هي الصوت الذي يخبرنا بأن الجنس البشري أسمى مما يعتقد”.
في البدء، صنع الإنسان البيوت والتماثيل، لكنه شعر بالغربة؛ لأن الحجر يظل حجراً، يسكن مكاناً ثابتاً ويخضع للجاذبية، أما الروح فكانت تبحث عن شيء يشبهها، شيء يطير بلا أجنحة، فكانت الموسيقى هي ذلك الانفجار الجميل الذي حطم قيد المكان، لتجد الذات نفسها حرة تماماً في فضاء الزمان الخالص.
إن الموسيقى هي الفن الوحيد الذي يتجرأ على نفي العالم الخارجي بكل ضجيجه وأشيائه، ليقيم مملكته في “القلب” وحده، حيث لا نحتاج لعين ترى المسافات، بل لأذن تنصت للاهتزاز. والاهتزاز في جوهره هو فعل تضحية، فلكي يولد الصوت، يجب أن تضطرب الأوتار وتكاد تتلاشى لتتحول إلى تموجات غير مرئية، وهذا التلاشي المستمر هو ما يمنح النغم صبغته الروحية الرقيقة. وكما يرى نيتشه بجرأته المعهودة، فإن “الحياة بدون موسيقى ستكون غلطة، ونفياً مريراً لا يُطاق”.
نحن في الموسيقى لا نواجه كتلة صلبة، بل نواجه دفقاً يخترقنا، يحولنا من كائنات محبوسة في أجسادها إلى ذوات سائلة تسبح في بحر من النور. ولعلنا جميعاً نحمل في ذاكرتنا تلك اللحظات التي كانت فيها الموسيقى هي هويتنا الوحيدة؛ فمن منا لا يذكر أيام المراهقة، حين كنا نقود سياراتنا في شوارع العمر الأولى، يرافقنا عزف “زامفير” الساحر على آلة البان فلوت، وكأن أنفاسه التي تخرج من القصب هي أنفاسنا نحن في حالة العشق تلك. وفي لحظات أخرى، كانت الموسيقى هي ذلك “الصمت المأهول”؛ حين كنت أعتزل العالم ممسكاً بكتابي في أحضان الطبيعة، حيث تتداخل زقزقات العصافير مع رائحة الأشجار المبللة بالندى، لتصنع سمفونية كونية فطرية، تجعلني أشعر أنني لست مراقباً للكون، بل أنا جزء من نبضه الشامل.
واليوم، يتجسد هذا المعنى الوجودي للموسيقى أمامي في أدق تفاصيل حياتي؛ ففي كل يوم، حين تجلس ابنتي “كلارا” لتتمرن على البيانو، أشعر وكأن الزمان يتوقف خجلاً أمام رقة أصابعها. إن استماعي لعزفها اليومي ليس مجرد متابعة لأب يراقب ابنته، بل هو “طقس وجداني” يعيد صياغة يومي بالكامل. حين تتمرن، أرى كيف تروض هي مادة البيانو الصلبة لتخرج منها ألحاناً تشبه أحلامها، وفي تلك اللحظات يذوب كل تعب العالم، ويتحول ضجيج المسؤوليات إلى سكينة غامرة. إن صدق محاولاتها، وتعثرها الجميل، ثم انسياب اللحن من تحت أناملها، هو الحوار الأنطولوجي الذي يربطني بالحياة؛ فهي تجسد ببراعة ما قاله فيكتور هوغو: “الموسيقى تعبر عما لا يمكن قوله، وعما لا يمكن السكوت عنه”.
فبينما يظل العالم “برانياً” بضجيجه، تبني “كلارا” بعزفها عالماً “جوانياً” يرمم صدوع الروح ويجعل من البيت مكاناً لا يحده جدار، بل يحده نغم. هنا، تتخلى الروح عن حاجتها للعين، تلك الحاسة التي تفصلنا عن الأشياء وتضع حدوداً بيننا وبين ما نراه، لتعتمد على الأذن بوصفها حاسة اللمس الروحي والنفاذ، فيذوب العالم الخارجي ليحل محله عالم داخلي لا يعرف الجغرافيا ولا يحتاج لخرائط.
تصبح الموسيقى هي اللغة التي تشبهنا تماماً، فنحن لسنا تماثيل ثابتة، بل نحن “زمن” يمضي وصيرورة لا تتوقف. وبينما يظل التمثال صامداً في مكانه يتحدى القرون ببرود، نجد أن اللحن الموسيقي محكوم بجمال “الزوال” اللحظي؛ فالنغمة تولد لتموت في اللحظة ذاتها، وهي حين تموت لا تترك خلفها عدماً، بل تترك شوقاً للنغمة التي تليها. هذا الفناء الجميل هو الذي يخلق الوحدة في أرواحنا، حيث نقوم بجمع هذه الشظايا الصوتية المبعثرة في الزمان لنصهرها في قلوبنا ونحولها إلى معنى، محولين الزمان الفاني إلى خلودٍ باقٍ.
وكأن نغمات “كلارا” هي ذلك المصباح الذي وصفه جبران خليل جبران حين قال: “الموسيقى كالمصباح، تطرد ظلمة النفس، وتنير القلب فتظهر أعماقه”. إن الروح لا تسكن العالم كغريبة، بل هي التي تعيد خلقه وصياغته مع كل رنة وتر، لتؤكد لنا أننا بالحب وبالموسيقى، نستطيع دائماً أن نسترد كرامتنا ونعلن انتصارنا على الوقت والنسيان.
