
لطالما كانت الحقيقة جرحاً مائلاً في خاصرة الثبات، وليست خطاً مستقيماً يُرسم بالمسطرة فوق طاولات المهندسين الأنيقة الذين يضعون ربطات عنق تخنق الخيال. أذكر حذاء جدي الموحل الذي قضى ثمانين عاماً وهو يحرث الجبل بمحراثٍ أعوج؛ حين كان يزيغ منه النصل ويصطدم بصخرة صماء ليشق في الأرض جرحاً مشوهاً، لم يكن يلطم خديه أو يلعن حظه العاثر، بل كان يمسح عرق جبينه بكوفية أكلها الدهر ويقول ببرودٍ يحسد عليه : “يا ابني، الأرض لا تفتح أسرارها لمن يمشطها بالمسطرة، بل لمن يجرؤ على خدش ثباتها”. كان يدرك بفطرته أن تلك “الزلة” في التربة هي منفس الهواء الوحيد للجذور، أو مجرى لماءٍ تائهٍ تحت الصخر، ليعلمنا أن الحياة الحقيقية لا تبدأ إلا حيث ينحرف الخط المرسوم سلفاً من قبل لجان التخطيط وخبراء “الإتيكيت” الكوني.
نحن اليوم نرتجف من “الغلط” كما يرتجف لصٌّ تحت كشافات دورية أمنية، نعيش في “ديكتاتورية الصواب” المرعبة؛ حيث الخوارزميات تلاحق إملاءنا قبل أن تكتمل الفكرة، والخرائط الإلكترونية تقودنا من أقصر الطرق فتسرق منا متعة التيه واكتشاف الشوارع الجانبية المليئة بالفقراء، والروائح الأصيلة، والحكايات التي لا تبيعها التطبيقات. لقد نسينا أننا جئنا من بيوتٍ سقفها ينز بالماء كلما بكت السماء، وأن كرامتنا الحقيقية ليست في خلوّ ثيابنا من البقع أو خلوّ سجلاتنا من “المحاضر”، بل في عدد المرات التي مسحنا فيها الغبار عن ركبنا وواصلنا المسير نحو مجهولٍ لا يرحم. الحقيقة يا سادة ليست مانشيتاً في جريدة رسمية تلمع بالنفاق وتوزع الأوهام، بل هي ذاك القميص الذي رقعته أمهاتنا ألف مرة؛ كل رقعة فيه هي عثرة موثقة، وكل خيط هو درسٌ مرّ في البقاء على قيد الصدق.
التاريخ لا يكتبه الذين يمشون بمحاذاة الجدران بوجوهٍ بلاستيكية تشبه واجهات المحلات، بل يكتبه “المجانين” الذين تعثروا بحفرةٍ فوجدوا أنهم اكتشفوا بئراً، والذين دخلوا المختبرات برؤوسٍ مشوشة وقلوبٍ مثقوبة فخرجوا بما أنقذ البشرية من فنائها المنظم. خذوا مثلاً ذاك “فليمنغ”؛ لو كان رجلاً “مرتباً” بالمعنى البارد للكلمة، يمسح طاولة مختبره بمناديل الحرير ويقدس البيروقراطية العلمية، لرمى “العفن” في القمامة فوراً واعتبره فشلاً مهنياً يستوجب الاستقالة، لكنه امتلك تلك “الفوضى المقدسة”؛ ترك الصحون للقذارة وسافر، ومن رحم ذاك الإهمال العظيم، من قلب “الغلط” التقني، ولد “البنسلين” الذي منع الموت من حصد أرواحنا عند أول خدش أو التهاب. إن العلم ليس قطاراً يلتزم بسكة حديدية صلبة، بل هو مغامرة في أدغال، حيث كل غصن يصفع وجهك هو إشارة لجهة جديدة لم يطأها حذاء قبلك.
وحتى ذاك الذي ذابت الشوكولاتة في جيبه وهو يعبث بالرادار، “بيرسي سبنسر”؛ لم يذهب للخياط ليبكي بنطاله المخرب، بل سأل السؤال “الخاطئ” في الوقت “الخاطئ”: “لماذا ذابت هنا؟”، ليهدينا “الميكروويف” من قلب سهوه التقني. إن العلم في جوهره مقبرة كبيرة لأخطاء تم تجاوزها بذكاء، والفارق الوحيد بيننا وبين الآلة الصماء هو “الدهشة”؛ فالآلة تعطينا الجواب ببرود المقابر، لكنها لا تملك لذة أن تتوقف مبهورة وسط خرابها وتقول: “يا إلهي.. لقد أخطأت!”. تلك اللحظة، لحظة الاعتراف بالعجز أمام المفاجأة، هي شرارة الخلق الوحيدة التي تفرق بين الكائن الحي والجماد الذي يرتدي بدلة رسمية.
وفي الثقافة اليابانية، يبرز فن “الكينتسوغي” (Kintsugi)، حيث يصلحون الخزف المكسور بلحامٍ من الذهب. هم لا يحاولون إخفاء الشروخ، بل يبرزونها كأجمل ما في الإناء، إيماناً منهم بأن الكسر جزء من تاريخ القطعة وليس عيباً يجب مواراته. هكذا يجب أن ننظر لأرواحنا المنهكة؛ فالمثاليون كائنات بلا تاريخ، بلا ندوب، بلا طعم، أما نحن “المكسورون” الذين رُقعت أرواحنا بذهب التجارب، فنحن الذين لمعت في شقوقنا شمس الخبرة.
هذا المفهوم يمتد ليتسلل خلف الأبواب الموصدة، حيث يجلس هؤلاء الذين يختمون مصائرنا بأختامهم الباردة في ردهات السياسة والاقتصاد؛ فالسياسي الذي يرى طوابير الجوع ويصر على أن نظريته “مقدسة”، ليس ثابتاً على المبدأ، بل هو مجرد تمثالٍ من الشمع يقود قطيعاً من الأحياء نحو مقبرةٍ جماعية. الادعاء بالصواب المطلق في السياسة هو الرصاصة الأولى في مسدس الفاشية، والاقتصادي الذي يلوك المعادلات الجافة بينما الأفواه من حوله تلوك الريح، ليس عالماً، بل هو قارئ حظٍّ أبله في فنجانٍ مكسور، لا يرى من البحر إلا جثث الغرقى. إن الأنظمة التي تخجل من اعترافها بالخديعة، ولا تملك شجاعة “الكينتسوغي” لترميم شروخها بذهب الحقيقة، هي أنظمة سقطت بالفعل قبل أن ترتطم بالأرض، وستدوسها أقدام الجياع الذين تعلموا من عثراتهم كيف يحطمون الأصنام التي لا تخطئ.
يا أحبائي، لا تخافوا من الأوراق التي تمزقونها لأنكم فشلتم في الرسم، ولا من الكلمات التي تشطبونها في رسائل الحب الخائبة التي لن تصل أبداً. تلك الأوراق المشوهة، المليئة ببقع القهوة والتشطيبات، هي أرقى أنواع الأدب الصادق، وهي الشهادة الوحيدة على أنكم لم تكونوا تماثيل من شمع في متاحف مهجورة. الحياة التي بلا أخطاء هي جنازة مؤجلة، هي حياة لم تُعش بعد، ساكنة كبلاط المقابر التي لا يزورها أحد. الأدب الحقيقي هو احتفاء بالهزائم، بالعاشق الذي يضيع في غابة من سوء الفهم، وبـ “دون كيشوت” الذي نحبه ونعظمه لأنه أخطأ في تقدير حجم طواحين الهواء، ولو كان عاقلاً ومرتباً لما عرفناه، ولما ألهمنا كيف نحارب القبح بسيوفٍ من خشب.
العيب ليس في السقوط، بل في الوقوف وسط الحفرة والادعاء بأننا نسكن القمم ونوزع صكوك الغفران على العابرين. الحقيقة ليست قصراً مشيداً، بل ورشة لا تنتهي من الهدم والترميم، والنجار البارع هو من يعرف كيف يداري “عقدة الخشب” ليجعل منها زينةً وجمالاً في قلب الكرسي، لا من يحاول استئصالها ليترك الخشب بلا روح ولا ذاكرة. فلنحتفِ بالخطأ، ليس لأنه غاية، بل لأنه البوصلة الوحيدة التي تملك شجاعة الصراخ في وجوهنا المتعبة: “ليس من هنا”، لترشدنا في نهاية المطاف إلى ذاك الطريق الضيق الذي لم تلوثه أقدام المصفقين.
الكمال لله وحده، أما نحن، “لصوص الفرح” المطرودون من جنات الانضباط، فحسبنا أننا نحاول، ونعثر، ونخطئ، ثم نمسح الغبار عن جباهنا المليئة بالثقوب ونواصل المسير.. لأن الذي لا يخطئ، هو ببساطة، كائنٌ فاته قطار الحياة، وبقي وحيداً على رصيف الانتظار يلمع حذاءه بانتظار قطارٍ لن يأتي؛ قطارٍ لا يتحرك أصلاً، لأن السكك الحديدية التي ينتظرها، صممتها يدٌ ترتعش رعباً من “الغلط”، فحبست العالم في قفصٍ من الاستقامة القاتلة، وتركته يموت مللاً بانتظار معجزةٍ تخرج من قلب العثرات.
