مقامرة السقوط.. حين يرتطم الوهم ببرميل النفط

بقلم الياس عيسى الياس- ديمقراطيا نيوز

​ربما لن يروق ما سأكتبه للكثيرين، خاصة أولئك الذين تقتات أحلامهم على التغيير الخاطف والحلول العسكرية المعلبة التي تأتي من خلف البحار. لكن في السياسة، كما في الحياة، تظل الحقيقة المُرّة أجدى من الوهم المريح. إن الحديث عن سقوط النظام في إيران ليس نزهة جوية، ولا هو ثمرة ناضجة ستسقط بمجرد هزّ الشجرة بقليل من الصواريخ. نحن أمام نظام متجذر، ليس في الجغرافيا السياسية فحسب، بل في بنية أمنية واقتصادية تجعل من فكرة زواله عملية انتحار جماعي للمنطقة، وربما للاقتصاد العالمي برمته.

​الدرس المستفاد من صمود غزة لأكثر من عامين رغم الحصار والتفوق العسكري الكاسح، هو أن المساحات الضيقة قد تخلق صموداً استثنائياً، فكيف بالعمق الجغرافي الإيراني المحصن؟ إن سقوط نظام يدير دولة كالقارة، بقلبها الجبلي وأطرافها الممتدة، ليس مجرد قرار عسكري، بل هو معضلة جيوسياسية تتجاوز قدرة الصواريخ على الحسم. فإذا فشلت التكنولوجيا في تصفية حساباتها في بقعة جغرافية مجهرية، فمن السذاجة تصور انهيار إمبراطورية أمنية واقتصادية بهذه البساطة. إن ميزان القوة العسكرية وحده لا يكفي لهدم الأنظمة العقائدية التي صممت بنيتها لتقتات على الحروب وتنمو تحت الركام.

​إن ما أطرحه هنا قد يبدو محبطاً، لكنه الواقعية القاسية: توقيت نهاية هذا النظام لا يحدده ثوار الداخل وحدهم، ولا جنرالات الخارج في غرف عملياتهم، بل تحدده “بورصات” النفط والأسواق المالية العالمية. إيران اليوم ليست مجرد خصم أيديولوجي، بل هي “عنق الزجاجة” في أمن الطاقة العالمي. إن العالم الذي يدعي الرغبة في التغيير هو نفسه العالم الذي يرتعد من فكرة وصول سعر برميل النفط إلى أرقام فلكية قد تطيح برؤوس حكومات كبرى وتصيب الرأسمالية العالمية بالشلل. هنا تبرز الحقيقة القبيحة: الأسواق المالية تعمل كـ “حارس غير مرئي” لبقاء النظام، لأن تكلفة الفوضى الناتجة عن سقوطه المفاجئ تفوق قدرة النظام المالي العالمي على الاحتمال.

​من الناحية الفلسفية، نحن أمام معضلة “الاستقرار القبيح”. فالنظام الإيراني يدرك تماماً كيف يحول تهديده الوجودي إلى تهديد لمحافظ المستهلكين في نيويورك ولندن وباريس. إنه يربط بقاءه ببقاء “شريان الحياة” الاقتصادي للعالم. وهذا الابتزاز المنظم هو ما يمنحه عمراً إضافياً في كل منعطف. إن القوى الكبرى توازن بين كرهها للنظام وبين حاجتها لاستمرار تدفق النفط وهدوء ممرات الملاحة، وفي هذا التوازن الهش، يجد النظام مساحته للمناورة والبقاء. إنها “الريل بوليتيك” في أبشع صورها، حيث تُقايض المبادئ باستقرار الأسعار.

​أعلم أن هذا الكلام قد يوصف بالتشاؤم، لكن من واجبي ككاتب أن أشير إلى أن الأنظمة المتجذرة لا تسقط من الجو، ولا تسقط بقرار عسكري محض. إنها تسقط فقط عندما تتآكل من الداخل إلى حد يصبح معه “البقاء” أغلى من “الانهيار” في نظر حُماتها والمستفيدين من وجودها. وحتى تلك اللحظة، سيظل النظام في طهران يلعب دور “لاعب الشطرنج” الذي يحرك قطعه ببرود، مدركاً أن خصومه يخشون هدم الطاولة أكثر مما يطمحون للفوز بالمباراة.

​في نهاية المطاف، يبقى الصراع مع النظام الإيراني صراع “نَفَس طويل” بين عقيدة قتالية صلبة وحسابات مالية عالمية شديدة الحساسية. وبين هذا وذاك، تظل الشعوب تدفع ثمن هذا الانتظار الطويل. إن الحقيقة التي لا شعبية لها هي أن العالم “يتعايش” مع ما يكره لتجنب ما هو أسوأ، وأن رصاصة الرحمة لن تُطلق طالما أن إصبع الأسواق المالية لا تزال ترتجف على الزناد.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top