
بقلم غنوى أبو ضاهر
في اليوم العالمي للمرأة، لا يكفي أن نحتفي بالمرأة بكلماتٍ جميلة أو عبارات تقدير عابرة. فهذا اليوم يشكّل مناسبة للتوقّف أمام الدور العميق الذي تؤديه المرأة في حياة المجتمعات، بوصفها قوة حقيقية تحفظ توازنها الإنساني والاجتماعي. فالمرأة ليست مجرد نصف المجتمع كما درج القول، بل هي قلبه النابض وروحه التي تمنحه القدرة على الاستمرار.
وفي لبنان، يكتسب هذا المعنى بعداً أكثر عمقاً. فالمرأة اللبنانية لم تعش الأزمات بوصفها أحداثاً بعيدة أو عناوين في نشرات الأخبار، بل عاشتها واقعاً يومياً يتسلّل إلى تفاصيل حياتها. هي التي تحمل همّ العائلة، وتسهر على استقرار البيت، وتواجه ضغوط الحياة بقدرٍ كبير من الصبر والإصرار.
وسط هذه التحديات، برزت المرأة اللبنانية مثالاً لصلابةٍ هادئة. فهي الأم التي تحرص على أن يبقى الأمان حاضراً في قلوب أطفالها، وهي الزوجة أو الابنة أو الأخت التي تسند عائلتها في أصعب الظروف. كما أنها المرأة العاملة التي تتحمّل أعباء الحياة الاقتصادية، فتعمل وتجتهد وتبحث عن سبلٍ جديدة للاستمرار حين تضيق الخيارات.
لقد أثبتت المرأة اللبنانية، عبر السنوات، أن القوة لا تُقاس بالصوت المرتفع أو بالمظاهر الصاخبة، بل بالقدرة على الاستمرار رغم التعب، وبالإصرار على حماية إنسانية البيت والحياة اليومية مهما اشتدّت الظروف. إنها قوة صامتة، لكنها عميقة الأثر، تُكتب كل يوم في تفاصيل العطاء والتضحية.
ومن هنا، فإن تكريم المرأة اللبنانية لا ينبغي أن يقتصر على كلمات الإشادة في مناسبة سنوية، بل يجب أن يتجسّد في اعترافٍ حقيقي بدورها وحقوقها. فهي تحتاج إلى الأمان والاستقرار، وإلى فرص عادلة في العمل والحياة، وإلى مساحةٍ حقيقية للمشاركة في صنع القرار، لأنها ليست شاهدة على تحوّلات المجتمع فحسب، بل شريكة أساسية في صياغة مستقبله.
وفي نهاية المطاف، تبقى المرأة اللبنانية صورةً حيّة لقدرة الإنسان على الصمود. ففي بلدٍ اعتاد أن يواجه الأزمات، تقف هي أيضاً بثبات، لا منتظرةً النجاة فقط، بل مساهمة في صنعها. وبين صخب الحياة وثقل الأيام، تظل قادرة على زرع بذرة أملٍ جديد، وتذكير العالم بأن القوة الحقيقية قد تسكن أحياناً في قلبٍ مليء بالحب.
