سلالة النساء اللواتي صنعن “عقل”البشرية تحية إجلال في يوم المرأة العالمي

بقلم الياس عيسى الياس

​في كل عام، ومع حلول اليوم العالمي للمرأة في الثامن من آذار، تمتلئ الكلمات بالتهاني والورود، لكن خلف هذه المناسبة تقف قصة أعمق بكثير: قصة النساء اللواتي ساهمن في بناء وعي البشرية منذ فجر التاريخ.

فمنذ بداية الزمان، وبينما كان الرجال يخرجون للصيد ومواجهة الحيوانات المفترسة وتأمين الطعام بالقوة، كانت المرأة في بيتها وهدوئها تصنع شيئاً أعظم؛ كانت تصنع “عقل” البشرية. في تلك العصور القديمة، لم تكن المرأة مجرد شخص يعيش في الظل، بل كانت هي المكتشفة الأولى التي علمتنا كيف نفهم الحياة؛ هي التي راقبت القمر لتعرف كيف تحسب الأيام والشهور، وهي التي جربت الأعشاب بصبر لتعرف الفرق بين النبتة التي تقتل والنبتة التي تشفي، فكانت بذلك أول طبيبة في التاريخ قبل وجود المستشفيات بآلاف السنين.

​المرأة هي من علمتنا “التفكير” وسط عالم كان مليئاً بالفوضى. وبينما كان العالم صامتاً لا يعرف الكلام، كانت الأم تهمس لأطفالها بأسماء الأشياء، وتعلمهم كيف يحولون الصرخة إلى كلمة، والكلمة إلى حكاية تروى بجانب النار لتبعث الطمأنينة في النفوس. هذا الذكاء الذي ولد في هدوء البيوت، هو الذي مهد للطريق الذي نمشي فيه اليوم.

​لهذا السبب، يصبح الاحتفال بـ اليوم العالمي للمرأة في الثامن من آذار أكثر من مجرد مناسبة رمزية؛ فهو اعتراف كوني بفضل تلك “السلالة من النساء” التي حاربت الظلام بالعقل والصبر. فنحن لا نحتفل بهذا اليوم كوردة توضع في مزهرية المواعيد الرسمية، بل كفعل شكر لكل امرأة قاومت التهميش وحافظت على نور الحكمة بين يديها. إن الضوء الذي قدمته المرأة لم يكن مجرد شمعة في غرفة مظلمة، بل كان الشرارة التي أطلقت قطار الحضارة والتقدم.

​إن التاريخ الذي نقرأه في الكتب مليء بقصص الحروب والملوك والمعارك، وهو منطق يعتمد على القوة والسيطرة. لكن اليوم، ونحن نرى العالم متعباً من النزاعات والتلوث، ندرك أننا بحاجة إلى “قلب المرأة” وحكمتها. المرأة بطبيعتها هي كائن “يحتوي” ويحمي؛ هي التي تحول البيت الصغير إلى وطن، وهي التي تداوي بلمستها ما انكسر في هذا العالم. نحن اليوم في زمن التكنولوجيا والآلات، وأكثر ما نحتاجه هو أن نضع “الرحمة” والضمير في كل ما نفعله، والمرأة هي الأقدر على تعليمنا هذه الرحمة.

​رعاية المرأة لمن حولها ليست مجرد واجب، بل هي قوة كبيرة ترفض أن يكون العالم غابة يسود فيها القوي، وتصر على أن تجعل العالم “بيتاً” يسع الجميع. إلى كل امرأة تكافح في بيتها، أو عملها، أو دراستها؛ أنتِ لستِ مجرد “تكملة” للمجتمع، بل أنتِ الأصل الذي يعطي للحياة معناها. أنتِ الضوء الذي لا ينطفئ، وأنتِ الروح التي تجعل الأماكن المظلمة تشرق بالأمل.

​بصبركِ وقدرتكِ العجيبة على تحمل الصعاب، وبذكائكِ الفطري، استطعتِ أن تغيري مجرى التاريخ.
في هذا اليوم، نقول لكل امرأة: أنتِ أصل الحكاية، وأنتِ جوهر الحقيقة. كل عام وأنتِ بخير وأمان وإشراق.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top