
بقلم رفيق عبدالله – ديمقراطيا نيوز
الحروب الحديثة لا تُقاس بحجم الدمار بل بنتيجتها السياسية. هذه قاعدة أساسية في علم الاستراتيجية منذ كلاوزفيتز: النصر العسكري ليس هدفاً بذاته، بل أداة لتحقيق غاية سياسية محددة. وفي الحرب الدائرة اليوم بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة وإيران من جهة أخرى، تبدو الغاية السياسية الحقيقية واضحة: تغيير النظام الإيراني. كل الأهداف الأخرى—تدمير منشآت نووية أو ضرب منصات صاروخية—ليست إلا وسائل ضمن هذا الهدف الأكبر. لذلك فإن معيار الحكم على نتيجة الحرب بسيط: إذا بقي النظام الإيراني قادراً على البقاء والاستمرار، فإن الحرب لم تحقق هدفها الأساسي بالنسبة لخصومه.
في هذا السياق، يبرز ضعف الحجة المتداولة حول “تدمير البرنامج النووي والصاروخي الإيراني”. فالتكنولوجيا العسكرية في القرن الحادي والعشرين ليست مصانع يمكن محوها بالقصف، بل منظومة معرفية تراكمت داخل مجتمع علمي واسع. الجامعات، مراكز البحث، شبكات المهندسين والعلماء، هي البنية الحقيقية لأي برنامج استراتيجي. عندما تتحول المعرفة إلى خبرة مؤسسية لدى آلاف الباحثين، يصبح من المستحيل عملياً القضاء عليها بالقوة العسكرية. يمكن تدمير منشأة، لكن لا يمكن قصف الذاكرة العلمية التي صنعتها. لذلك فإن فكرة إنهاء البرنامج عبر الضربات الجوية تنتمي أكثر إلى الدعاية السياسية منها إلى التفكير الاستراتيجي الواقعي.
إيران تدرك هذه الحقيقة، ولهذا لا تعتمد فقط على الرد العسكري المباشر، بل على استخدام أوراق الضغط الجيوسياسية. أهم هذه الأوراق هو الاقتصاد الإقليمي المرتبط بأسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية. أي اضطراب مستمر في هذه المنظومة ينعكس فوراً على الاقتصاد العالمي، ويضع دول الخليج أمام معادلة صعبة: استمرار الحرب لفترة طويلة يهدد استقرارها الاقتصادي ويجعلها طرفاً مضطراً للتدخل السياسي لخفض مستوى التصعيد. هذه القدرة على تحويل الحرب إلى أزمة إقليمية شاملة تمنح طهران هامشاً واسعاً للمناورة حتى لو كانت قدراتها العسكرية أقل من خصومها.
لكن الحسابات الخليجية لا تتعلق فقط بالاقتصاد، بل أيضاً بالتوازن الاستراتيجي في المنطقة. فصحيح أن النفوذ الإيراني يشكل تحدياً كبيراً لدول الخليج، إلا أن انهيار الدولة الإيرانية بالكامل قد يخلق مشكلة أكبر. فإيران بعد سقوط النظام قد تتحول إلى دولة ضعيفة أو إلى نظام جديد أقرب إلى إسرائيل، ما يفتح الباب أمام هيمنة إسرائيلية غير مسبوقة على الشرق الأوسط. في مثل هذا السيناريو تصبح إسرائيل القوة الإقليمية الوحيدة القادرة على فرض شروطها، ما يمنحها نفوذاً واسعاً في ملفات حساسة مثل مستقبل القضية الفلسطينية أو إعادة رسم التوازنات الإقليمية.
لهذا السبب، فإن النتيجة التي قد تبدو أكثر اتساقاً مع المصالح العربية ليست انتصاراً كاملاً لأي طرف، بل توازن يضعف إيران دون أن يطيح بها، ويمنع في الوقت نفسه انتصاراً إسرائيلياً حاسماً. هذا النوع من النتائج يخلق فراغاً استراتيجياً نسبياً، وهو الفراغ الذي يمكن للعرب—نظرياً—أن يملؤوه.
في علم العلاقات الدولية، تسمى هذه اللحظة بـ “نافذة الفرصة الاستراتيجية”. وهي المرحلة التي تظهر عندما تخرج القوى المتصارعة من مواجهة مكلفة دون حسم نهائي، فتُعاد صياغة موازين القوى في المنطقة. في مثل هذه اللحظات تستطيع أطراف ثالثة أن تتقدم إذا امتلكت رؤية واضحة وقدرة على استثمار التحولات.
الحرب الحالية قد تخلق واحدة من هذه اللحظات. فإذا خرجت إيران ضعيفة لكنها باقية، وخرجت إسرائيل دون تحقيق هدفها بتغيير النظام، فإن الطرفين سيحتاجان إلى سنوات لإعادة بناء قدراتهما واستعادة توازنهما. هذا الفراغ النسبي قد يمنح الدول العربية فرصة نادرة لإعادة تعريف موقعها في النظام الإقليمي.
لكن الاستفادة من هذه اللحظة تتطلب تغييراً جذرياً في التفكير الاستراتيجي العربي. فالتجربة خلال العقود الماضية أظهرت أن الاعتماد شبه الكامل على المظلة الأمنية الأمريكية جعل المنطقة رهينة لتقلبات السياسة الدولية. الولايات المتحدة تتعامل مع الشرق الأوسط وفق مصالحها العالمية، وليس وفق أولويات الأمن العربي. ولذلك فإن أي مشروع عربي حقيقي يجب أن ينطلق من بناء قدرة ذاتية، سواء في الاقتصاد أو في الدفاع أو في التكنولوجيا.
القوة الاقتصادية هي المدخل الأكثر واقعية لتحقيق ذلك. فالدول العربية تمتلك عناصر قوة هائلة: موقع جغرافي يربط أهم طرق التجارة العالمية، موارد طاقة ضخمة، أسواقاً واسعة، ورؤوس أموال سيادية قادرة على الاستثمار في التكنولوجيا والصناعة. المشكلة ليست في غياب الموارد، بل في غياب التكامل الاستراتيجي بينها. لو تحولت هذه الموارد إلى منظومة اقتصادية موحدة نسبياً، فإن العالم العربي يمكن أن يصبح أحد المراكز الاقتصادية الكبرى في النظام الدولي.
هذا التحول الاقتصادي يجب أن يترافق مع بناء منظومة ردع دفاعية مستقلة. الردع لا يعني الدخول في سباق تسلح، بل امتلاك قدرات كافية لجعل أي مغامرة عسكرية ضد المنطقة مكلفة للغاية. التوازن الحقيقي في الشرق الأوسط لن يتحقق إذا بقيت الدول العربية تعتمد على قوى خارجية لتأمين أمنها.
في النهاية، كل حرب تنتج رابحين وخاسرين. أحياناً يكون الرابح هو الطرف الذي لم يشارك في القتال لكنه عرف كيف يستثمر نتائجه. الحرب الحالية قد تكون مثالاً على ذلك. فإذا انتهت بإضعاف إيران دون إسقاطها، ومنعت في الوقت نفسه تحقيق انتصار إسرائيلي كامل، فإن الدول العربية قد تجد نفسها أمام فرصة تاريخية نادرة. ليس لأنها انتصرت عسكرياً، بل لأنها استطاعت أن تتحرك في اللحظة التي انشغل فيها الآخرون بحروبهم.
التحولات الكبرى في التاريخ لا تصنعها الحروب وحدها، بل أيضاً من يفهم نتائجها قبل الآخرين. وإذا أدرك العرب طبيعة اللحظة الاستراتيجية التي قد تولد من هذه المواجهة، فقد يتحولون—للمرة الأولى منذ عقود—من ساحة للصراعات إلى أحد صانعي النظام الإقليمي الجديد.
