
في الحادي والعشرين من آذار، يهرع الناس إلى الحقول ليقطفوا من فم الطبيعة وردة، وينمقون من جيد اللغة قلادة، ظنّاً منهم أن الأمومة “عيد” يُختصر في رزنامة.
ولكن، هل ساءل أحدكم نفسه في لحظة صفاء تأملي: لو أن هؤلاء “القديسات الصامدات” قررن، ولو لنهار واحد، أن يخلعن رداء الصبر ويسترحن من عناء البناء.. ماذا يحلّ بهيكل هذا العالم؟
أقول لكم بملء اليقين: سينهار هذا العالم، بصخبه وعساكره، بسياساته الجوفاء ومطاراته المزدحمة، كما ينهار بيت من القش أمام زفرة ريح عاصفة.
إن الأمومة يا سادة ليست “وظيفة” تؤطرها عقود البشر، ولا هي دور اجتماعي نؤديه لرفع العتب؛ بل هي “الثورة الصامتة” التي حمت شعلة النوع البشري من الانطفاء وسط ركام الفناء والحروب.
هي تلك الفلسفة العصيّة على التفسير، التي زاوجت بين “رقة النسيم” و”شموخ الصخر”، فاستحالت العاطفة في كنفها من دمعة حائرة إلى طاقة وجودية تهزّ العروش وتبني الأمم.
لو تصفحنا “دفاتر الأيام” برؤية نفاذة، لأدركنا أن فعل الأمومة هو أرقى فنون السياسة، وإن لم تضج به الساحات.
تأملوا معي تلك الإيطالية النابضة بالحياة، ليتشا رونزولي؛ حين دخلت ردهات البرلمان الأوروبي عام 2010، لم تكن تحمل أوراقاً جافة فحسب، بل كانت تضم إلى صدرها طفلتها “فيتوريا” ابنة السبعة أسابيع.
بوجود تلك الرضيعة بين مقاعد التشريع الصارمة، كانت ليتشا تسأل العالم بجرأة الأنثى: “لماذا تطلبون من المرأة أن تمزق قلبها وتتركه وراء باب البيت لكي تخدم الوطن؟”.
كانت يدها تقترع للحق، ويدها الأخرى تطبطب على الروح، محطمةً ذاك الوهم القائل بأن الأمومة نقطة ضعف. لقد علمتنا أن “القوة الناعمة” هي وحدها الكفيلة بنفث الروح في المؤسسات التي جففها الجمود البيروقراطي.
وهذا الحنان الذي لا يعرف حدوداً جغرافيّة، نلمسه في تفاصيل حياتنا اللبنانية المثقلة بالجراح. ففي مطار بيروت، حيث يمتزج عرق الكدح بدموع الفراق، سقطت أم مسافرة تحت وطأة التعب، فبقي طفلها وحيداً في زحام الغرباء.
هنا، تحركت في المعاون أول ناديا ناصر “فطرة الأرض”؛ فبزيّها العسكري الصارم، تحولت إلى “حضن بديل” لساعات طوال. في تلك اللحظة، ذاب الحديد أمام حرارة العاطفة.
أثبتت لنا ناديا أن السلطة التي تفتقر إلى “روح الأم” هي سلطة عرجاء لا تستقيم. تلك الصورة للجندية وهي تضم الطفلة هي الوجه الذي ننشده لوطننا؛ سلطة تحمينا بالرحمة قبل أن تحكمنا بالرصاص، وترمم ثقتنا المفقودة في الإنسانية.
أما الصمود الوجودي، فله حكاية أخرى وراء البحار، بطلتها إليزابيث مورو في القرن التاسع عشر. امرأة كسرها الفقر لكنها لم تنكسر، غسلت ثياب الغرباء لتعيل ابنتها، ولم تكن تملك ترف البكاء.
كان يقينها واحداً: “ابنتي لن تجوع”. هذا الكدّ لم يكن مجرد بحث عن لقمة العيش، بل كان معركة كرامة غيّرت قدر سلالة كاملة، حتى أصبحت ابنتها مديرة مدرسة يُشار إليها بالبنان.
الأمومة هنا هي “المحرّك الخفي” الذي يحول الهزائم الشخصية إلى انتصارات عائلية كبرى، وهي الثورة التي تُطبخ على نار هادئة في كواليس البيوت المتعبة لتبني مستقبلاً لا يراه إلا أصحاب البصيرة النافذة.
حين نحتفل اليوم، فنحن نمجد ذاك “الخيط الإلهي” الذي يربط هؤلاء النسوة. فالأمومة في السياسة “عدالة”، وفي الاجتماع “رحمة”، وفي العوز “أنفة وكبرياء”.
هي الكيان الوحيد الذي يجد غبطته في أن يذوب كالشمعة ليُنير دروب الآخرين. نكتب اليوم إلى كل أم تشعر بـ “قداسة” الحِمل وعظمة الأمانة، لنقول لها بلسان المحبة: “عملكِ ليس هامشاً في كتاب الوجود، بل هو المتن والأساس”.
ليتشا غيرت وجه البرلمان، وناديا أنسنت العسكر، وإليزابيث هزمت القدر بصبرها.. وأنتِ، تفعلين ذلك كل فجر بأسلوبكِ الفريد.
الأمومة ليست عاطفة “مستضعفة”، بل هي أقوى محرك على وجه البسيطة. في عيدكِ، لا تكفي القصائد الرنانة، بل يجب أن نناضل لنبني عالماً يشبه “قلب الأم”؛ عالماً يتسع للكل ويقدر تعب الإنسان.
انظروا إلى أمهاتكم اليوم، لا كمدبرات للعيش، بل كبطلات خضن حروباً خفيّة لنصل نحن إلى شاطئ الأمان.
من بيروت، “ست الدنيا”، إلى كل أصقاع المسكونة.. تحية إجلال. أنتنّ لستنّ “نصف المجتمع” كما يُقال في الخطابات، بل أنتنّ “القلب” الذي يضخ الحياة في النصف الآخر.
أنتنّ اليد التي، بينما تهزّ المهد يميناً وشمالاً، تعيد صياغة القدر وترمم تصدعات العالم مع كل إشراقة شمس، ليبقى نبض الوجود حيّاً بفضلكنّ.
