
بقلم الياس عيسى الياس
ليس الصمود الذي يجسده أبناء القرى المسيحية في جنوب لبنان اليوم، من علما الشعب إلى رميش والقليعة، مجرد تمسك مادي بالبيوت أو الحقول؛ إنه في جوهره قرار وجودي حاسم بمواجهة محاولات التهجير والإلغاء الممنهج. فحين يرفض ابن علما الشعب مغادرة تلاله المطلة على المتوسط رغم أزيز الرصاص، فهو لا يحمي جدراناً سكنية، بل يمارس حقه الكياني في الانتماء إلى أرضٍ صهرت هويته وتاريخه عبر القرون.
إن الإنسان في هذه القرى، الرابضة على خطوط النار، ليس مجرد رقم في الحسابات العسكرية أو “ورقة” في البازارات السياسية، بل هو صاحب حق تاريخي يرفض أن تتحول أرضه إلى جغرافيا صامتة خالية من النبض البشري. وفي القليعة، التي تقف شاهدة على وجع مرجعيون، يتحول البقاء إلى موقف أخلاقي يتجاوز الطوائف. ولم يكن سقوط الخوري بيار الراعي، وهو يلملم جراح رعيته، مجرد ممارسة لطقسٍ كنسي، بل كان تجسيداً صارخاً لـ “لاهوت الوجود”. لقد أعلن بدمه المضرّج بالوفاء أن الحضور المسيحي في الجنوب ليس عابراً، بل هو فعلُ حبٍّ متجذر يرفض الانفصال عن الجماعة، حتى لو كان الثمن تماهياً كاملاً بين جسد الكاهن وتراب الرعية.
تأبى الروح التي تسكن هذه البلدات الانكسار؛ فالاستهداف اليوم لا يطال الحجر فقط، بل يسعى لكسر “إرادة الحضور” وإقناع اللبناني بأن النزوح هو قدره الوحيد. لكن الرد الواضح يأتي من صمود أهالي رميش ودبل: إن الهوية ليست رداءً نخلعه عند اشتداد العواصف، بل هي جزء أصيل من الكيان. وفي عين إبل، تتجلى وحشية المشهد في سقوط شبابٍ كالزهر وهم يحاولون وصل بلدتهم بالعالم؛ لم يكن سعيهم خلف “الإنترنت” ترفاً تقنياً، بل كان إصراراً على البقاء في قلب العصر، واغتيالهم بدمٍ بارد لم يكن حادثاً عابراً، بل “بتراً” متعمداً لأوردة الحياة ومحاولة لعزل الإنسان الجنوبي عن سياقه الحضاري واغتيال حقه في الصوت.
المسألة في قرى مثل القوزح ويارون ودبل ليست دفاعاً عن طائفة، بل هي صرخة من أجل وطن يُراد إفراغ أطرافه الحيوية وتحويل حدوده إلى مناطق معزولة بلا ذاكرة. ومن منظور اجتماعي، يدرك سكان دير ميماس أن خسارة الأرض هي الخطوة الأولى نحو التيه. وهنا تتجلى ملحمة البقاء، حيث يصبح التمسك بـ “مئة ألف شجرة زيتون” التزاماً أخلاقياً وكيانياً؛ فهذه الأشجار ليست مورداً اقتصادياً فحسب، بل هي حارسة الذاكرة التي تضرب عروقها في التاريخ، ووجودها يمنع تحويل الجنوب إلى مجرد ساحة حرب خالية من السكان أو منصة للاغتراب العسكري.
إننا اليوم أمام استحقاق تاريخي يفرض وجود كنيسةٍ لا تكتفي بالصلاة، بل تتماهى مع صمود الناس في الميدان. وفي المقابل، لا يمكن القبول بدولة تقف متفرجة على اقتلاع أبنائها؛ بل نريد دولة تستعيد هيبتها الضائعة وتمارس سيادتها كفعل حماية حقيقي. إن استعادة هذه الهيبة تبدأ حتماً بالتمسك بـ حصرية السلاح وقرار الحرب والسلم بيد الدولة وحدها، كضمانة وحيدة لتوفر سبل الصمود الكريم، لئلا يضطر الجنوبي لحمل وطنه في حقائب المهاجرين بحثاً عن أمان زائف في أزقة المنافي.
إن دماء الشباب ودماء الخوري بيار الراعي هي الأساس الصلب الذي سيبقي الجنوب حياً. هناك صراع اليوم بين منطق يهدف لاقتلاع الناس قسراً، ومنطق يصر على زراعة الأمل رغم آلات الموت. وما نراه في رميش ودبل هو رفض اللبناني لأن يكون وقوداً لحروب لا تخدم مستقبله. إن قرى الشريط الحدودي هي خط الدفاع الأول عن التعددية، والتمسك بحبة تراب هناك هو دفاع عن كرامة الإنسان في كل لبنان ضد سياسات الترهيب.
هؤلاء الصامدون يكتبون اليوم تاريخاً جديداً للكرامة الوطنية؛ ففي كل مرة تقرع فيها أجراس القرى تحت القصف، تؤكد أن إرادة البقاء أقوى من أدوات التدمير. لقد تحول الكاهن بشهادته إلى “حارسٍ” أبديّ لهذا الوجود، معلناً أن الانتماء للجنوب هو عهدٌ لا ينفصم. إن الفجر لا بد أن يبزغ مهما طال ليل الحروب، وستظل هذه القرى شاهدة على أن لبنان باقٍ بهوية أهله وتنوعهم السيادي، وأن الأجراس التي لم تصمت في زمن المحنة، ستقرع حتماً غداً في عيد الانتصار للحق في الحياة، والسيادة، والكرامة فوق كل شبر من تراب الوطن.
