
بقلم الياس عيسى الياس
لم تكن شمس بيروت اليوم تشبه سابقاتها؛ فقد نفضت الدولة اللبنانية عنها غبار التردد، وقررت في لحظة مكاشفة سيادية أن تسترد مفاتيح قرارها المختطف. وزارة الخارجية اللبنانية أعلنت، في خطوة غير مسبوقة، سحب موافقتها على اعتماد السفير الإيراني المعيَّن، محمد رضا شيباني، وأبلغت الجانب الإيراني رسمياً بضرورة مغادرته للأراضي اللبنانية في موعد أقصاه يوم الأحد المقبل، الواقع في التاسع والعشرين من آذار 2026.
هذا الإجراء، في لغة الدبلوماسية الراقية، هو أعلى درجات الاحتجاج، وفي لغة الناس البسطاء يعني ببساطة: “لقد تجاوزتَ حدود الضيافة، ولم تعد مرحباً بك في بيتنا”. القصة هنا ليست مجرد مشكلة شخصية مع ديبلوماسي، بل هي أزمة وجودية لجمهورية تحاول أن تتنفس من تحت ركام التبعية والارتهان للمحاور الإقليمية.
فالسفير، الذي يُفترض أن يكون جسراً للتعاون بين دولتين، تصرف في أزقة بيروت وكأنه “مفوض سامٍ”. عقد لقاءات مكثفة مع أحزاب وقوى محلية بعيداً عن أعين وزارة الخارجية، وكأن “قصر بسترس” مجرد مبنى أثري للزينة، وليس المقر الرسمي لقرار الدولة الخارجي. والأدهى من ذلك، أن اللبنانيين استشعروا بأن بلدهم بات يُعرض كـ “سلعة” في مزادات المفاوضات الدولية دون استئذان صاحب الدار.
لذا، جاء قرار الطرد ليقول للجميع، بوضوح لا لبس فيه: “لبنان ليس صندوق بريد لرسائلكم، ولا ساحة مستباحة لتصفية حساباتكم”. لكن الصدمة الكبرى لم تكن في القرار نفسه، بل في الرد الذي جاء من خلف أسوار السفارة الإيرانية في بئر حسن، حين أعلنت أنها “ستتعاطى مع قرار الخارجية اللبنانية كأنه لم يكن”.
وهنا يجب أن يتوقف كل مواطن لبناني ليفهم خطورة هذه الجملة؛ فهي تعني أن سفارة أجنبية ترفض الاعتراف بشرعية حكومتنا الوطنية، وتصر على بقاء ممثلها رغماً عن إرادة الدولة المضيفة. هذا ليس مجرد خلاف بسيط، بل هو “تحدٍ سيادي” علني يحاول فرض منطق “اليد الطولى” التي لا تعترف بحدود.
وهنا، ومن أجل أن يفهم الجميع السند القانوني الذي تتحرك بموجبه الدولة اللبنانية، لا بد من شرح “اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية لعام 1961”. هذا القانون العالمي هو الذي ينظم كيف تتعامل الدول مع بعضها، وهو السلاح الذي استخدمته بيروت اليوم لاستعادة هيبتها المسلوبة.
تنص المادة (9) من هذه الاتفاقية بوضوح تام على أن للدولة المضيفة الحق في أي وقت، وبدون الحاجة لإبداء الأسباب، أن تبلغ الدولة الأخرى بأن رئيس بعثتها أصبح “شخصاً غير مرغوب فيه” (Persona Non Grata). هذا الحق هو جوهر السيادة الوطنية في القانون الدولي، ولا يحتاج لموافقة الطرف الآخر.
بموجب هذا القانون، تلتزم الدولة الأخرى بسحب سفيرها فوراً. وإذا رفض السفير المغادرة بعد انتهاء مهلة 29 آذار، فإن الدولة اللبنانية تملك الحق في “رفض الاعتراف به كعضو في البعثة”. هذا يعني سقوط “الحصانة” عنه تماماً، وتحوله إلى مواطن أجنبي عادي يخالف قوانين الإقامة، ويمكن ترحيله قسراً.
إن الدبلوماسية في جوهرها هي “ميثاق أخلاقي” وُجد لمنع انزلاق العالم نحو الفوضى وشريعة الغاب. هي القواعد التي تضمن أن يظل الحوار هو اللغة السائدة بدل لغة الإكراه. فاحترام سيادة الدول ليس ترفاً، بل هو القاعدة التي تحمي الصغير قبل الكبير، وتجاهلها يقوض النظام الدولي برمته.
اليوم، يجد اللبنانيون أنفسهم أمام انقسام حاد يهدد ما تبقى من هيكل “الجمهورية”؛ فبينما تحاول الحكومة استعادة هيبة الدستور، برزت أصوات “الثنائي الشيعي” (حزب الله وحركة أمل) التي لم تكتفِ بالاعتراض، بل شجعت السفير على البقاء وتحدي القرار الرسمي، معتبرة الخطوة انصياعاً للخارج.
هذا الوضع يضعنا أمام السؤال المخيف والمؤلم الذي طرحه يوماً شهيد الكلمة والسيادة سمير قصير: “عسكر على مين؟”. هل ستتمكن الدولة من تنفيذ قانونها عندما تدق ساعة الصفر يوم الأحد؟ أم أن السفير سيبقى في مكانه بـ “قوة الأمر الواقع” وبحماية حلفائه المحليين الذين يقدمون مصلحة “المحور” على هيبة “الدولة”؟
لقد أراد سمير قصير من سؤاله الشهير أن يذكرنا بأن القوة لا قيمة لها إن لم تكن في خدمة الوطن والسيادة والقانون. فإذا بقي السفير رغماً عن إرادة وزارة الخارجية، وبغطاء من قوى داخلية وازنة، فهذا يعني أن “الجمهورية” قد أعلنت وفاتها سريرياً، وأننا نعيش في غابة يحكمها السلاح لا الحق.
إن الترحيب الذي جاء من باريس، أو الترحيب المسموم الذي جاء من تل أبيب، يجب ألا يحرف أنظارنا عن جوهر المعركة الحقيقية. المعركة اليوم هي داخلية بامتياز: هل نحن دولة حقيقية تملك قرارها؟ أم نحن مجرد “خان” مفتوح يقرر الغرباء ومن خلفهم القوى المسلحة متى يدخلون ومتى يخرجون؟
بيروت اليوم، من مرفئها الجريح إلى شوارعها المنهكة، تنتظر لترى إن كانت قوانينها ستُحترم. تنتظر لترى إن كان “قصر بسترس” سيبقى مرجعاً للسيادة، أم سيتحول إلى مجرد مبنى للذكريات الجميلة. الأحد القادم ليس مجرد موعد لمغادرة ديبلوماسي، بل هو موعد مع الحقيقة الصادمة لمستقبل هذا الوطن.
وحتى ينجلي غبار تلك المهلة، سيبقى سؤال سمير قصير معلقاً كالسيف فوق رؤوسنا، يذكرنا بأن السيادة لا تُستجدى بل تُنتزع بممارسة السلطة الحقيقية. فمتى تنتهي لعنة كوننا “ساحة” لتبدأ بركة كوننا “وطناً” سيداً، حراً، ومستقلاً، يحترم فيه الغريب قرار صاحب الدار، وتعود فيه الروح لمؤسسات أرهقها التهميش؟
