
بقلم الياس عيسى الياس
في الخامس والعشرين من آذار 2026، ومع اكتمال الشهر الخامس عشر لحربٍ لا تريد أن تنتهي، أطلّ علينا بيان العلاقات الإعلامية بتوقيع الشيخ نعيم قاسم. لم يكن البيان مجرد ورقة سياسية عابرة في زحمة البيانات اليومية، بل كان إعلاناً صريحاً عن محاولة إحلال “منطق الخندق” مكان “منطق الدولة”، وفرض سيادةٍ موازية لا تعترف إلا بصوت المدافع. يأتي هذا النص في وقتٍ يئن فيه لبنان تحت وطأة الانهيار الشامل، وتشرذم الهوية الوطنية، ليضعنا أمام الحقيقة العارية: هناك من يريد إقناعنا بأن “الوطنية” هي مجرد فعلِ صدامٍ دائم، وأن “السيادة” تُصنع فقط خلف السواتر الترابية، بعيداً عن أروقة البرلمان أو قاعات مجلس الوزراء.
إن قراءة هذا البيان تقتضي الأمانة في التفنيد، وأخطر ما ورد فيه هو ادعاء احتكار “الحقيقة الوطنية”. فنفي مقولة “حرب الآخرين” التي وردت في النص، ليست إلا محاولة للهروب من استحقاق سؤالٍ جوهري وقاسٍ: هل يملك المواطن اللبناني اليوم حق تقرير مصيره، أم أن قدره قد حُسم سلفاً في عواصم المحاور الكبرى؟ إن ربط مصير قرية في الجنوب بصراعٍ جيوسياسي يمتد من مضيق هرمز إلى البحر المتوسط، هو في الحقيقة إلغاء لخصوصية المصلحة اللبنانية، وتذويب للكيان في صراعات إقليمية لا تنتهي.
إننا، ونحن نفكك شيفرات هذا الخطاب السياسي المثقل بالدلالات، لا يسعنا إلا أن نقف بوجلٍ وإجلال أمام قدسية الدم اللبناني الذي أُريق على مذبح هذه الأرض. إن عظمة الصبر الذي يبديه أهلنا النازحون والصامدون تحت وابل القصف، هي الحقيقة الوحيدة التي لا تقبل الجدل. فالتضحيات البشرية الهائلة، من أرواحٍ طاهرة سقطت، وبيوتٍ رُفعت حجراً حجراً بعرق السنين لتستحيل ركاماً في لحظة غدر، هي ملكٌ للوطن كله، وهي رصيد في وجدان كل لبناني وليست حكراً على مشروع سياسي بعينه أو طائفة بعينها. إن الإقرار بوجع اللبنانيين وبطولتهم في تحمل هذه الأثمان الباهظة هو التزامٌ أخلاقي ووطني يسبق أي اختلافٍ أيديولوجي أو سياسي.
لكن، ومع هذا الانحناء لتضحيات الناس، تبرز ضرورة التمييز بين “البطولة الفردية” وبين “الاستراتيجية السياسية” التي تسوق هذه البطولة نحو أفقٍ مسدود. إن ألم الأمهات ودموع المهجرين هي أغلى من أن تُوظف كذريعة لإلغاء الدولة، أو كغطاء لشرعنة ما يمكن تسميته بـ “الجمهورية الموازية”. فالوفاء الحقيقي لهذه الدماء لا يكون باستمرار النزيف، بل ببناء وطنٍ آمنٍ سيدٍ مستقر، يحمي أهله بمؤسساته وجيشه، ويضمن ألا تذهب تضحياتهم سدىً في صراعات الخرائط العابرة للحدود التي غالباً ما تُسوى صراعاتها على حساب الشعوب الصغيرة.
إن الربط العضوي الذي أقامه بيان الشيخ قاسم بين صمود لبنان وصمود “المحور”، يسقط القناع عن وهم “القرار المستقل”. فعندما يصبح نصرنا مرهوناً بانتصار قوى إقليمية، تضيع بيروت في زحام الخرائط، وتتحول الدولة بمؤسساتها وجيشها إلى مجرد تفاصيل هامشية في استراتيجية “وحدة الساحات”. إن المصلحة اللبنانية الصرفة، التي يجب أن تسمو فوق كل اعتبار، تُطالبنا بالجهر بالحقيقة: لا يمكن بناء وطنٍ بـ “رأسين”؛ أحدهما يلهث خلف الدبلوماسية في المحافل الدولية، والآخر يرفض “حصرية السلاح” في الداخل ويخوّن كل من ينادي بهيبة القانون والمؤسسات. إن هذا الانفصام السياسي هو ما أوصل لبنان إلى حالة من العزلة العربية والدولية، حيث بات يُنظر إلى دولتنا ككيان قاصر عاجز عن حماية حدوده أو اتخاذ قراراته السيادية الكبرى.
وبالنظر إلى لغة البيان، نلمس ذلك “الحسم اللغوي” الذي لا يقبل القسمة على اثنين. إن استخدام الوعد العقائدي بوراثة الأرض للمستضعفين، هو محاولة واضحة لإضفاء صبغة “القداسة” على خيارات سياسية وعسكرية بشرية، وهي خيارات بالضرورة قابلة للخطأ والصواب، للربح والخسارة. وهنا يكمن القلق الوجودي؛ فالدولة الحديثة تُبنى على توازن المصالح والحقوق والواجبات، لا على “يقينيات” غيبية تُلغي الآخر وتعتبر كل تباين في الرأي خدمةً للعدو أو خيانةً للمقدس. إن تجميل مرارة النزوح القسري بلغة “الفخر والرضى” هو في جوهره هروبٌ من المسؤولية السياسية تجاه إنسانٍ لبناني دُفع به إلى أتون مواجهة لم يستشر فيها، ويُطلب منه الآن، وهو في مراكز الإيواء، أن يبارك ضياع بيته ومستقبله وكرامته الشخصية لصالح شعارات كبرى.
أما عن “وجهة” هذا البيان، فلا بد من قراءة ما بين السطور لنعرف لمن قُرعت هذه الأجراس في هذا التوقيت بالذات. إن البيان منشورٌ سياسي متعدد الرؤوس والرسائل؛ فهو يتوجه أولاً لبيئة المقاومة بجرعة “قداسة” مكثفة لترميم شروخ النزوح العميقة ومعالجة التململ الشعبي من طول أمد الحرب. وهو ثانياً يبرق للسلطة الرسمية المحاصرة في “السراي الحكومي”، محذراً إياها من مغبة تجاوز “الخطوط الحمراء” الميدانية، كما ظهر جلياً في انتقاد قرارات حكومية معينة مثل ملف طرد السفير أو محاولات ضبط الإيقاع الدبلوماسي. وهو ثالثاً رسالة “تخوين” مبطنة لكل صوت معارض في الداخل يجرؤ على المطالبة بـ “حصرية السلاح”، وصرخة “ردع نفسية” موجهة لواشنطن وتل أبيب مفادها أن لبنان بات جزءاً لا يتجزأ من جغرافيا إقليمية لا تنفصل عن طهران، وأن الميدان وحده هو “صاحب السيادة” الذي لا يُشرك في حكمه أحداً.
إن الهجوم المستتر أو المعلن على قرارات الحكومة الرسمية، مهما بلغ عجز هذه الحكومة، يكرّس واقع الانقسام العمودي ويهدم ما تبقى من أعمدة الدستور. فإذا كانت السيادة، كما يراها البيان، هي مجرد ممارسة قوة ميدانية تمنع الفتنة بالقوة، فأين هو دور المؤسسات التي دفع اللبنانيون أثماناً باهظة طوال عقود لبنائها؟ إن “الخندق” لا يصنع وطناً مستداماً، والبندقية مهما عظمت تضحياتها لا تبني “دولة” قادرة على توفير الدواء والرغيف والتعليم. لبنان الذي ننشده، والذي ضحى من أجله الآلاف، هو لبنان المؤسسات، لبنان الذي تظلله رايةٌ واحدة وجيشٌ واحد، والقرار فيه ينبع من إرادة ناسه في ساحة النجمة، لا من “حتميات” ميدانية تُفرض عليهم تحت وطأة السلاح والنار وتوازنات الرعب الخارجية.
إن الخطر الحقيقي الذي يطرحه بيان 25 آذار هو محاولة تشريع “الجمهورية الموازية” كأمر واقع لا بديل عنه. فعندما يتحدث البيان عن “الميدان” كمرجع وحيد للسيادة، فإنه يُسقط تلقائياً دستور الطائف، ويُلغي مفهوم العقد الاجتماعي بين اللبنانيين. هذا المسار يؤدي بالضرورة إلى تحويل لبنان إلى “ساحة” لا “وطن”، وإلى “منصة” لا “دولة”. والوحدة الوطنية التي يطرحها قاسم في بيانه هي وحدة “الخندق الواحد” القائمة على التبعية للمشروع العسكري، وليست وحدة “المواطنة” في بلدٍ مدني يتسع لجميع أبنائه على اختلاف مشاربهم وتوجهاتهم السياسية.
في الختام، يظهر بيان الشيخ نعيم قاسم كوثيقة حزينة تعلن غلبة “العسكرة” على “السياسة”، وغلبة “المحور” على “الوطن”. إن الحقيقة التي يجب أن تُقال بجرأة ومن دون مواربة: إن أية قوة تتحرك خارج إطارات الدولة وإرادتها الجماعية هي استنزافٌ طويل لروح لبنان، وتأخيرٌ متعمد لقيامة هذا الوطن من بين الأنقاض. يبقى الرهان الوحيد، رغم قتامة المشهد، على غدٍ يعود فيه القرار للبنانيين وحدهم، لتكون الدولة هي الملاذ الأخير والوحيد، والجيش هو السياج الشرعي الذي لا شريك له، وبيروت هي الحلم والمنارة التي لا تبتلعها شعارات الميدان الخشبية ولا صراعات المحاور العبثية. إن استعادة السيادة لا تمر عبر “الحتميات الميدانية”، بل عبر العودة إلى كنف الدولة والقانون، والاعتراف بأن لبنان لم يعد يحتمل أن يكون وقوداً في حروب الآخرين على أرضه.
