
بقلم الياس عيسى الياس
الحكاية ليست وليدة اليوم، ولا هي بنت البارحة. لمن سقطت من ذاكرته تفاصيل “الأكشن” الأمريكي-الإيراني الطويل، نحن أمام رواية سريالية بدأت فصولها في صيف 1953. يومها، قرر “العم سام” وصديقه البريطاني “جون بول” أن الدكتور محمد مصدق تجاوز حدوده حين نطق بكلمة “تأميم”. أطلقوا “عملية أجاكس” الاستخباراتية، أطاحوا بالرجل الذي انتخبه الناس، وأعادوا الشاه ليعيش سنوات من العز الموهوم كشرطي للمنطقة وحارس للمصالح الغربية لربع قرن.
بذرة الريبة زُرعت هنا.
ومنذ تلك اللحظة، نما هذا العداء في الوجدان الإيراني تجاه كل ما هو آتٍ من وراء البحار. بقي الشاه على عرشه حتى انفجر البركان في تشرين الثاني 1979؛ سقط التاج، واقتحم “الطلاب السائرون على نهج الإمام” السفارة الأمريكية في طهران، لتحبس القوة العظمى أنفاسها وهي تشاهد ديبلوماسييها معصوبي الأعين أمام شاشات التلفزة. بدأت هنا 444 يوماً من “الذل الدبلوماسي” الذي لم تغفره واشنطن أبداً، وأسست لما يُعرف اليوم بـ “عقدة طهران” في العقل السياسي الأمريكي.
وزاد الطين بلة ما جرى في ليلة 24 نيسان 1980، حين قرر الرئيس جيمي كارتر مقامرة عسكرية كبرى لاستعادة هيبته الجريحة عبر عملية “مخلب النسر” (Eagle Claw). كانت الخطة في غاية التعقيد: تسلل طائرات “سي-130” ومروحيات “سي ستاليون” إلى عمق الأراضي الإيرانية لإنقاذ الرهائن. لكن رياح صحراء “طبس” كانت تجري بما لا تشتهي السفن الأمريكية؛ عاصفة رملية مفاجئة شلت الأسطول، واصطدام مروع خلف جثث 8 جنود وحطاماً مهيناً تركته النخبة الأمريكية خلفها. سقطت هيبة القوة العظمى في وحل الرمال، وكان ذلك الجرح هو الذي مهد لسلسلة من الصدامات الدامية.
ولم تكن الساحة الإيرانية هي الوحيدة؛ ففي 23 تشرين الأول 1983، انتقل الصراع إلى زواريب بيروت التي كانت تشتعل تحت وطأة الحرب والاجتياح. في صبيحة ذلك الأحد الخريفي، وفي مطار بيروت الذي كان يلفه ضباب البحر الثقيل، اقتحمت شاحنة صفراء مقر “المرينز”. الانفجار كان هائلاً لدرجة أنه رفع المبنى عن الأرض قبل أن يسويه بالتراب، مخلفاً 241 قتيلاً. كانت تلك الضربة هي الأقسى منذ الحرب العالمية الثانية. اتهمت واشنطن “حزب الله” الناشئ حينها، بإشراف استخباراتي ومادي مباشر من الحرس الثوري.
دماء “المرينز” في بيروت كانت الصدمة التي أجبرت ريغان على سحب قواته بمرارة.
ولأن المواجهات لم تكن عسكرية بحتة، دفع المدنيون الثمن. في 3 تموز 1988، وبينما كان الخليج يغلي بـ “حرب الناقلات”، أطلقت السفينة الأمريكية “فينسينس” صاروخين باتجاه طائرة “إيرباص” إيرانية مدنية (الرحلة 655). تناثرت أشلاء 290 راكباً في مياه الخليج. واشنطن رفضت الاعتراف بالذنب، بل منحت قائد السفينة وسام “الاستحقاق”، مما كرس صورة أمريكا “المستبيحة للدماء” في الوعي الإيراني.
مع دخول القرن الحادي والعشرين، ظل الصراع يغلي حتى فجر 3 كانون الثاني 2020. مسيرة أمريكية نفذت “ضربة الوجع” باغتيال الجنرال قاسم سليماني. ردت طهران علناً لأول مرة بصواريخ باليستية على قاعدة “عين الأسد”، معلنةً نهاية زمن الاختباء خلف الوكلاء.
تخطت السنين هذه المآسي، لتصل إلى حزيران 2025؛ “العرض التمهيدي” للمواجهة الشاملة. واشنطن شنت “البرق الصامت” سيبرانياً لشل موانئ النفط، وطهران ردت بـ “درونات غاطسة” وصواريخ طالت العمق الإسرائيلي، مع تقارير عن استهداف غامض لمنشآت “نطنز” و”فوردو”.
نحن الآن في خواتيم آذار 2026، والضباب ينقشع عن المواجهة الكبرى. أطلق البنتاغون هذا الشهر عملية “الملحمة العاتية” (Operation Epic Fury). قاذفات الـ B-21 Raider تمطر المنشآت المحصنة، وإيران تعيش “تعتيماً رقمياً” كاملاً، لترد بـ “خيار شمشون” في مضيق هرمز عبر الألغام النانوية، ما قفز بأسعار النفط لمستويات جنونية.
ومع وصول القاذفات الاستراتيجية إلى ذروة استهدافها، كانت واشنطن قد وضعت طهران أمام خيارين أحلاهما علقم: إما القبول بتفكيك كامل للمنظومة النووية والباليستية تحت الرقابة اللصيقة، أو مواجهة “اجتياح رقمي وجوي” لا يبقي حجراً على حجر. كانت المهلة الأمريكية الأولى تنتهي بنهاية آذار، والمنطقة تترقب الانفجار الكبير بين ساعة وأخرى.
لكن، وفي تحول دراماتيكي مع إشراقة صباح الجمعة 27 مارس، خفتت أصوات المحركات قليلاً؛ فقد أعلن البيت الأبيض عن تمديد هذه المهلة لعشرة أيام إضافية. “ساعة الصفر” الجديدة باتت الاثنين، 6 نيسان/أبريل 2026. هذا التمديد لم يأتِ من فراغ، بل بطلب إيراني صريح لدراسة مقترح تسوية دولي يتألف من 15 بنداً مفصلياً. هو “اتفاق إذعان” في نظر البعض، و”طوق نجاة” في نظر العقلانيين الذين يخشون تحول الصراع إلى شتاء نووي يبتلع الجميع.
بيروت اليوم، كعادتها، تراقب الأفق من شرفاتها المتعبة، تدرك أن ما بعد 6 نيسان ليس كما قبله. نحن لا ننتظر رداً، بل ننتظر ولادة نظام عالمي جديد من رحم هذا الحريق الرقمي والنووي. التاريخ لا يرحم، والمفاوضون في الغرف المغلقة يسابقون دقات الساعة، بينما يظل السؤال معلقاً فوق رؤوسنا جميعاً: هل ننجو من “الانزلاق الكبير” أم أن النار ستأكل ما تبقى من هدوء هذا الكوكب؟
والله أعلم بالخواتيم.
