مقامرة “خارك”: هل يبتلع ترامب قلب إيران النفطي؟

بقلم الياس عيسى الياس

​بينما تقف المنطقة على مشارف “ساعة الصفر” في السادس من نيسان، وبعد فصولٍ من التراشق السيبري العنيف وعمليات “الملحمة العاتية”، تبدو المواجهة الأمريكية-الإيرانية وكأنها تغادر مربع “الضربات التأديبية” التقليدي.

​تتحول المواجهة الآن نحو مرحلة “الخنقة الاستراتيجية” الشاملة. فخلف غبار القاذفات وشاشات التعتيم الرقمي، يبرز اليوم هدفٌ يختصر كبرياء طهران وشريانها التاجي؛ إنها جزيرة “خارك”.

​مع تسارع دقات الساعة الجيوسياسية، لم تعد التكهنات تكتفي بحدود “الضغط الأقصى” الذي ميز ولاية ترامب الأولى. لقد تجاوزتها إلى تساؤلٍ يتردد في أروقة القرار ببرود استخباراتي: هل يخطط “الكاوبوي” الأمريكي فعلياً لتجريد طهران من “درة تاجها” الطاقوي؟

​هل نشهد إنزالاً برياً أو حصاراً مطبقاً يضع العالم أمام واقع جديد؟ لفهم الدوافع التي قد تدفع سيد البيت الأبيض نحو مغامرة بهذا الحجم، لا بد من العودة إلى فلسفته القائمة على مبدأ “الاستحواذ والمساومة”.

​ترامب، المسكون برؤيته المنشورة في أرشيف الصحافة الأمريكية منذ ثمانينيات القرن الماضي، يرى أن السيطرة على “خارك” هي الرد الأمثل والوحيد على أي تهديد إيراني للملاحة الدولية.

​الجزيرة بالنسبة له ليست هدفاً عسكرياً عابراً، بل هي “رهينة اقتصادية”. فهي المنصة التي يعبر منها 95% من النفط الإيراني، والمرفأ الوحيد المهيأ لاستقبال الناقلات العملاقة.

​السيطرة عليها تعني، بالمنطق الترامبي، “خنق النظام” بلمسة جراحية واحدة. وتملك “المفتاح الذهبي” لاقتصاد الخصم دون الغرق في وحل غزو بري شامل للأراضي الشاسعة.

​لكن الطريق نحو “خارك” محفوف بالألغام السياسية. فبينما يراهن صقور واشنطن على أن شلّ الجزيرة سيجبر طهران على توقيع “اتفاق إذعان”، تبرز معضلة مضيق هرمز ككابوس لوجستي مرعب.

​إن تأمين الملاحة في ممر بطول 160 كيلومتراً سيصبح مستحيلاً بمجرد اندلاع الشرارة الأولى. هذا السيناريو قد يقفز بأسعار النفط العالمية إلى مستويات جنونية في غضون ساعات قليلة.

​هنا يظهر التناقض الصارخ في شخصية ترامب؛ فهو يطمح لـ “النصر المطلق” لكنه يخشى التورط في “حروب لا تنتهي”. لذا، تظل الضربات الأخيرة مجرد “رسائل تحذيرية” تهدف لفرض وصاية نارية.

​في المقابل، تحذر التقارير الاستخباراتية من لجوء طهران لسياسة “الأرض المحروقة”. قد يتم تدمير أمن الطاقة الإقليمي بالكامل إذا استشعرت إيران أن شريان حياتها قد سقط.

​على المستوى الإقليمي، تسود حالة من الترقب المشوب بالحذر. العواصم الخليجية تخشى ارتدادات الفعل، بينما تعتبر طهران أي مساس بالجزيرة “إعلان حرب وجودية”.

​هذا التهديد يبرر لها، من وجهة نظرها، تفعيل كافة أوراقها الإقليمية، من جبهات المساندة الممتدة من لبنان وصولاً إلى اليمن.

​يمارس ترامب اليوم لعبته المفضلة على “حافة الهاوية”. مراهناً على أن الضغط النفسي والاقتصادي قد يغنيه عن إطلاق الرصاصة الأخيرة.

​لكن التاريخ يعلمنا أن حسابات مياه الخليج لا تخضع دوماً للمنطق التجاري. قد تكون “خارك” العقدة المستعصية التي لا تُحل إلا بتسوية كبرى تجنب الكوكب كارثة طاقوية وإنسانية.

​يبقى احتلال الجزيرة في عقل ترامب “صفقة رابحة” نظرياً، لكنه ميدانياً يمثل قفزة في المجهول. قفزة قد تعيد رسم خريطة الشرق الأوسط بالدم والنفط والدموع.

​والله أعلم بالخواتيم.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top