عن “امتحان” الهوية والولاء المشطر

بقلم الياس عيسى الياس

​أخبرني صديقٌ عاد مؤخراً من رحلة إلى الولايات المتحدة، وتحديداً من ضواحي سان فرانسيسكو، عن تفصيلٍ صغيرٍ هزَّ قناعته في “مفهوم المواطنة”.

​كان قد التقى هناك بمغتربٍ لبناني احتفل بتسلم جنسيته الأمريكية الجديدة. أخبره ذاك المغترب بزهوٍ مشوبٍ بالتعب أنه لم ينلها بـ “ضربة حظ” أو بمجرد قضاء سنوات من الإقامة، بل بعد محاولتين؛ تعثر في الأولى لا لنقصٍ في أوراقه، بل لأنه رسب في امتحان “تاريخ أمريكا”.

​كان عليه أن يجلس تلميذاً من جديد، يقرأ عن الآباء المؤسسين والدستور والحروب التي صهرت تلك الأمة، كي يكون “جديراً” بحمل صكِّ الانتماء إليها وامتلاك حق المواطنة فيها.

​قبض ذاك الرجل على جوازه الجديد كمن يمسك بمفتاحٍ للكون، وقال: «بهذا لا أخاف أحداً». ثم لمس بأصابعه المتعبة غلاف جوازه اللبناني العتيق، وقال بنبرةٍ تقطرُ وفاءً: «وبهذا لا أنسى من أنا.. ذاك درعي في الغربة، وهذا أصلي الذي به أعزُّ وأفتخر».

​هذا المشهد، رغم بساطته، يختصر معضلة “الوطن” التي نلوكها في صالوناتنا السياسية في بيروت بلا جدوى منذ عقود.

​فالمواطن الصالح في كل بقاع الأرض هو من يحفظ ولاءه للأرض التي منحته الهوية، ويبقى وفياً لجذوره التي نبت منها. لكن في لبنان، يبدو أننا أتقنا فن “الانفصام الهوياتي”؛ فالهوية عندنا مجرد ورقة تُستخرج من الدوائر الرسمية لتسهيل المعاملات.

​بينما الولاء الفعلي موزعٌ كالحصص والمغانم على موائد الخارج، وكأننا شعبٌ يعيش بقلوبٍ مستعارة وجوازات سفر لا تعبر عن حقيقة الانتماء.

​كلما اشتدت الأزمة بين أفرقاء السياسة في بلادنا، يطلُّ السؤال العقيم برأسه: “أيَّ لبنان نريد؟”.

​وكل فريق يُفصّل الجواب على مقاس أيديولوجيته، أو طائفته، أو مصلحته الآنية. تخرج الأجوبة متنافرة، متصادمة، فنصطدم بجدار المسدود ونعود إلى نقطة الصفر.

​وكأن السؤال لم يُطرح لأن أحداً لم يملك الشجاعة ليجيب بصدقٍ يوحّد القلوب تحت علمٍ واحد وقضية واحدة. والواقع المرير أن هذا التشتت ليس مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل هو انعكاس لارتهانٍ بنيوي عميق.

​ففي لحظات التأزم، وبدلاً من الاعتصام بحبل الوطن، نرى الأفرقاء يهرعون لاستحضار الخارج بشتى تلاوينه وتبعياته.
​فمنهم من يستدعي إيران ويراها قبلةً سياسية وعقائدية تتقدم في وجدانه على مصلحة الكيان اللبناني.

​ومنهم من لا يزال يرهن قراره وسيادة بلده لـ سوريا وكأن استقلالنا مجرد عارضٍ تاريخي أو شعارٍ للاستهلاك الإعلامي.

​ومنهم من يولي وجهه شطر دول الخليج ليس من باب التعاون الأخوي، بل بحثاً عن مظلةٍ أو دعمٍ يجعله صدىً لسياساتٍ غير لبنانية.

​هذا “الاستدعاء” الدائم للخارج حوّل لبنان من وطنٍ إلى ساحة لتصفية الحسابات، ومن دولةٍ إلى صندوق بريد للرسائل الإقليمية. فكيف يستقيم وطنٌ يُدار بـ “ريموت كنترول” من عواصم أخرى؟

​وكيف نُقنع الأجيال القادمة بأن بطاقة الهوية التي يحملونها هي “شرفهم الأسمى”، بينما يرى كبارهم أن القوة والمنعة تُستمدان من التبعية لمحور أو تنفيذ أجندة غريبة؟

​إن الأجدر بنا جميعاً أن نتوقف عن التباكي على “لبنان الحلم” ونسأل السؤال الوجودي الحقيقي: “أيَّ كيانٍ نريد؟ وأيَّةَ هوية نعتنق؟”.

​الكيان ليس مجرد رسمٍ جغرافي اصطنعته الصدف أو التوازنات الدولية؛ فمعظم دول العالم هي كيانات “اصطلاحية” في نشأتها، لكن شعوبها الحية هي التي حوّلت تلك الحدود إلى حصونٍ من الانتماء المقدس الذي لا يقبل الاختراق.

​لبنان ليس “صدفةً” جغرافية، بل هو حقيقةٌ تاريخية وحضارية عظمى، هو صخرةٌ عاتية في وجه الزمان، شريطة أن نؤمن به كـ “ذاتٍ” مستقلة لا كملحقٍ بغيره.

​إن لبنان الذي أعطى العالم الحرف والكلمة، والذي كان منارةً للعقل قبل أن يكون مساحةً للأرض، لا يجوز أن يكون اليوم مجرد “تلميذٍ” يتلقى دروسه من عواصم الخارج.

​إن الهوية اللبنانية التي ننشدها لا تعني الانكفاء المرعوب، ولا هي مجرد استذكارٍ لأساطير قديمة للهرب من استحقاقات الواقع المر، بل هي إيمانٌ بأن هذا اللبنان هو “كونٌ” بحد ذاته.

​هو الانصهار في عائلة كبرى تجعل من التعدد غنىً لا سبباً للفرقة. الهوية هي ولاءٌ واحد لا يقبل القسمة على اثنين، ووفاءٌ لكيانٍ نؤمن بفراداته وعظمته، ونرفض أن يكون مجرد “متممٍ” لمشاريع الآخرين.

​نحن بحاجة إلى وعيٍ يجعلنا نرى في هذا الكيان حصناً أخيراً، لا مجرد محطة انتظار في مطارات التغريب.

​ليس من الشرف في شيء أن يحمل المرء جواز سفر بلدٍ ما، بينما قلبهُ يتبع بوصلةً أخرى وأوامره تأتي من وراء الحدود.
​الشرف الحقيقي هو أن نكون “أباطرة” في انتمائنا، نعتزُّ بكياننا كأنه مركز الأرض ومبتدأ الحضارة.

​ومن لا يملك إلا هوية واحدة وجواز سفر واحداً، مثلي، يدرك تماماً أن لا خيار أمامه سوى الانحياز الكلي والنهائي لهذا الكيان؛ فلا شبر خارجه يغرينا، ولا نظرة خارج حدوده تعنينا، ولا سيادة نقبل بمشاركتها مع أحد مهما علا شأنه.

​إن لبنان لن يكون وطناً حقيقياً طالما بقي في نظر البعض “فندقاً” نلجأ إليه في الرخاء ونبيعه أو نرهنه في الأزمات لمن يدفع أكثر أو يدعم أكثر.

​المواطنة هي “فعل إيمان” مستمر ووعيٌ بالذات التاريخية، تماماً كذاك الامتحان القاسي الذي خاضه المغترب في سان فرانسيسكو ليثبت جدارته بالانتماء.

نّ مَن عجز عن استيعاب إرث بلاده وتاريخ تضحياتها، ولم يجد في شموخ أرزها وعنفوان جبالها ملاذاً كافياً لكرامته وكبريائه، سيبقى غريباً عن جوهر الانتماء؛ فالهوية ليست مجرد ورقة، بل هي نبضٌ لا يكتمل إلا حين نؤمن بأنّ هذا التراب هو المبتدأ والمنتهى.

​علينا أن نختار بجرأة: إما أن نكون مواطنين في وطنٍ سيدٍ عظيم، وإما أن نبقى “رعايا” في أقاليم الآخرين وساحاتهم.
​فلبنان لا يُبنى بأنصاف الولاءات، ولا يحميه من يوزعون قلوبهم بين بيروت وعواصم القرار.

​ما سوى الانتماء المطلق للكيان والوفاء التام للهوية، لسنا إلا عابري سبيل في وطنٍ ينتظرُ أهله الحقيقيين ليقوم من بين الركام، جباراً، كما كان دائماً في جوهر التاريخ وأصل الكلمة.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top