مقامرة ترامب في “هرمز”: حريقالحرب يطال عظمة واشنطن

بقلم الياس عيسى الياس

​كانت شمس آذار من عام 2026 تميل نحو المغيب فوق نهر “بوتوماك”؛ شريان العاصمة واشنطن الهادئ، حين وقف سيد البيت الأبيض يرقب انعكاس صورته على زجاج المكتب البيضاوي. لم يكن يرى رئيساً فحسب، بل كان يرى “كريسوس” عصره؛ الملك الذي لامس كل شيء فاستحال ذهباً، الرجل الذي طوع العقارات والأسهم والناخبين، وظن أن التاريخ مجرد “صفقة” تنتظر توقيعه الأخير.

​في الميثولوجيا القديمة، يروي هيرودوت أن “كريسوس”، ملك ليديا الأسطوري، لم يكن يخشى أحداً. حين زاره الحكيم صولون، سأله الملك بنرجسية طاغية: “من هو أسعد الناس يا صولون؟”، منتظراً أن يسمع اسمه. لكن الحكيم أجابه ببرود: “لا تحكم على سعادة رجل حتى يأتيه الموت وهو في قمة مجده”. سخر كريسوس من الحكيم، تماماً كما سخر ساكن واشنطن من الخبراء والدبلوماسيين وحلفاء القارة العجوز. فبالنسبة له، العالم ليس سوى خشبة مسرح، والجيوش ليست إلا أدوات لتحسين شروط التفاوض.

​جاءت اللحظة الفاصلة حين قرر الملك غزو “فارس”. أرسل كريسوس إلى عرافة “دلفي” يسألها عن مصير الحرب، فقالت له النبوءة الشهيرة: “إذا عبر كريسوس نهر هاليس، فإنه سيدمر إمبراطورية عظمى”. انتشى الملك بالوهم، وعبر النهر ظناً منه أن الإمبراطورية المحطمة ستكون فارس. وفي ربيع 2026، عبر “ترامب” نهره الخاص؛ أطلق شرارة الحرب مع طهران تحت وهم “تغيير النظام السريع”، معتقداً أن “الضغط الأقصى” سيجعل العمائم تسقط قبل أن ينتهي الموسم.
​لكن “هاليس” لم يكن مجرد نهر، كان فخاً إلهياً للغطرسة.

​وكالات الأنباء العالمية التي كانت تبث تقاريرها من مضيق هرمز، بدأت تروي قصة أخرى غير التي خطط لها “القيصر” في واشنطن. الإيرانيون، الذين يتقنون حياكة السجاد والصبر، لم يسقطوا كما توقعت التقارير الاستخباراتية المعلبة. بل على العكس، تحولوا إلى “كابوس” استراتيجي سدّ شريان العالم النفطي. فجأة، وجد الملك نفسه أمام حقيقة مرة: الإمبراطورية العظمى التي بدأ دمارها لم تكن طهران، بل كانت الاستقرار الاقتصادي الأمريكي وسوق الأسهم التي طالما تفاخر بها.

​في أروقة البنتاغون، كان المشهد يزداد قتامة. وزير الدفاع، بيت هيغسيث، الذي يبدو في مشيته وحديثه كأنه خرج لتوّه من معركة صليبية متأخرة، كان يقود جلسات صلاة تطلب “العنف الساحق”. هنا، تلاقت “راديكالية” القوة مع “راديكالية” الأيديولوجيا، تماماً كما فعل كريسوس حين ظن أن الآلهة في جيبه. لكن الآلهة في الميثولوجيا اليونانية، مثلها مثل قوانين الجغرافيا السياسية، لا تحب “الهبريس” (الغطرسة). فالرجل الذي احتقر الحلفاء ورفض استشارة “صولون” العصر الحديث (الدبلوماسية الهادئة)، وجد نفسه وحيداً في غرفة العمليات، يصرخ في وجه الحلفاء الغربيين لأنهم لم يلحقوا به إلى الهاوية.

​الرواية التي تتناقلها الألسن في بيروت وباريس ولندن اليوم، هي رواية “السقوط من فوق العرش الذهبي”. ترامب، الذي انتقل من ادعاء النصر الكاسح إلى التخبط المهين، بدأ يدرك أن “تغيير النظام” كان سراباً. وكما وقف كريسوس مقيداً بالأغلال فوق محرقة أعدائه الفرس، صرخ في سره باسم الحكمة التي تجاهلها. في الميثولوجيا، نجا كريسوس في اللحظة الأخيرة لأن كورش الكبير أعجب بحكمته المتأخرة. أما في واقعنا المعاصر، فإن “كورش” الجديد لا يبدي رحمة، والوسطاء الباكستانيون الذين يترددون بين واشنطن وطهران لا يحملون أغصان زيتون، بل يحملون فواتير باهظة للنجاة.

​إنها مأساة إنسان تضخمت “أناه” حتى حجبت عنه رؤية الواقع. كان يظن أن “اليورانيوم” مجرد ورقة ضغط، فإذا به يصبح القيد الذي يلتف حول عنقه. الخطة ذات الخمسة عشر بنداً، التي ولدت ميتة، اختصرها الزمن في بندين قاسيين: “اتركوا القنبلة، لنترك لكم العرش”. يا لها من نهاية ساخرة لرجل بنى حملته على “العظمة”؛ أن يجد نفسه يتوسل بقاء النظام الذي وعد بإبادته، فقط لكي ينقذ مؤشر “داو جونز” من الانهيار الحر.

​البعد البشري في هذه الرواية هو الأكثر إيلاماً. فخلف شاشات “سي إن إن” والخرائط العسكرية، هناك شعوب تنتظر المجهول. هناك الجندي الأمريكي الذي أرسله “محارب ديني” ليخوض معمعةً لا ناقة له فيها ولا جمل، وهناك المواطن الإيراني الذي يطحن بين فكي الحصار وطموحات نظامه، وهناك نحن، سكان هذا الشرق الذي يراه ترامب مجرد “محطة وقود” كبرى.

​لقد زرع ترامب الريح، ظناً منه أن العاصفة لن تصل إلى ملاعبه الذهبية في فلوريدا. واليوم، وهو يرقب غرق سفن الشحن في هرمز، يكتشف أن التاريخ لا يُكتب بـ “تغريدات” النصر الزائف، بل بمداد الدم والدموع وتوازنات القوى التي لا ترحم الجهلة.

​إن قصة كريسوس تنتهي بالحكمة، لكن رواية ترامب لا تزال في فصولها الأخيرة. هل سينزل عن المحرقة قبل أن تلتهمه النيران؟ أم أنه سيصر على إحراق الغابة بأكملها معه؟ المؤكد أن العالم لن ينسى هذا الدرس: “لا تضع الكبريت في يد طفل، حتى لو كان هذا الطفل يرتدي بدلة بآلاف الدولارات ويجلس في أقوى مكتب في العالم”.

​إننا لا نقرأ اليوم خبراً سياسياً، بل نقرأ نصاً مأساوياً عن سقوط “الرجل السوبرمان” أمام عناد الواقع. فالتاريخ ليس “صفقة”، والحرية لا تُشترى بالمال، والمضائق المائية لا تُفتح بالصلوات الحربية. إنها الحقيقة العارية التي تصفع وجه ​”القائد الأوحد” وهو يرى أحلامه تتبخر في هواء الربيع الحزين. وفي النهاية، سيبقى الدرس الميثولوجي خالداً: القوة دون بصيرة هي أقصر الطرق نحو الهلاك، ومن يعبر النهر دون حساب للضفة الأخرى، فإنه لا يدمر إمبراطورية عدوه.. بل يدمر نفسه.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top