
بقلم الياس عيسى الياس
حين يقف المؤرخ أمام تعقيدات المشهد اللبناني المعاصر، يجد نفسه مدفوعاً للبحث في سراديب الزمان عن سوابق لمفهوم “القوة الموازية” التي تنمو في أحشاء الدولة، لتطرح تساؤلات كبرى حول السيادة والكيان.
إن ظاهرة “حزب الله”، برغم حداثتها وتعقيد تمثيلها الشعبي، تستدعي في بعض ملامحها البنيوية نماذج تاريخية عرفها المشرق في لحظات انكساره، ولعل تجربة “النزارية الإسماعيلية” التي بزغت في القرن الحادي عشر تبرز كمرآة تعكس بعض هذه التحولات.
تلك الجماعة التي أسسها “حسن الصباح” واتخذت من قلعة “آلموت” الحصينة في أعالي جبال فارس مركزاً لكونٍ موازٍ، لم تكن مجرد فرقة عسكرية، بل كانت تجسيداً مبكراً لفكرة “الدولة داخل الفراغات”.
لقد أقام النزاريون منظومة تعتمد على “العزلة المسلحة” وتوظيف العقيدة لتوليد انضباط حديدي يتجاوز حدود الجغرافيا، حيث يتحول الفرد إلى “فدائي” يرى في أوامر القيادة صوتاً مقدساً يعلو فوق أي قانون مدني.
هذه التجربة التي توقف عندها المستشرق برنارد لويس مطولاً، تكشف كيف يمكن للتنظيم أن يبني جغرافيا من القلاع والقرى المحصنة التي تتحدى المركز الضعيف، ليس بالسلاح التقليدي فحسب، بل بمنظومة ولاءات عابرة للحدود تكسر هيبة السلطة المركزية، بصورة تذكّر بما نراه اليوم في تحول القرى الوادعة إلى مربعات أمنية محكومة بتوقيت سياسي يختلف عن توقيت الدولة وساعاتها الرسمية.
تبدأ ملامح هذا الاستحضار من لحظة “المظلومية”؛ فالتاريخ يخبرنا أن مثل هذه الكيانات تنمو غالباً في مساحات الفراغ التي تتركها الدولة المركزية خلفها. وفي لبنان، لم تكن الظاهرة وليدة صدفة، بل جاءت نتيجة لتراكمات من التهميش وغياب الرعاية الرسمية في مناطق الأطراف، من الهرمل إلى أقصى الجنوب.
هذا الغياب هو الذي منح التنظيم “شرعية الخدمة” وبديل المؤسسة؛ فالمواطن الذي لا يجد مستشفى حكومياً أو مدرسة لائقة، سيجد في مؤسسات التنظيم ملاذاً، ليتحول مع الوقت من حامٍ للحِمى إلى جزء من كيان يمتلك أجندته الخاصة التي قد تتصادم مع منطق السيادة.
إنها قصة اللبناني الذي يبحث عن “أب” يحميه حين تتركه الدولة يتيماً، لكنه يكتشف لاحقاً أن ثمن هذه الحماية قد يكون ذوبان هويته الوطنية في مشروع عابر للحدود، تماماً كما ذابت شخصيات “المريدين” قديماً في ظلال قلعة “آلموت” بحثاً عن خلاصٍ لم يجده الناس في الحواضر الكبرى آنذاك.
وفي الهيكلية التنظيمية، نجد ميلاً نحو الانضباط الصارم الذي يذيب الفرد في الجماعة؛ وهي سمة بنيوية تظهر في الجماعات العقائدية التي تعتمد نظام “المراتب” لضمان الولاء المطلق، مما يمنح التنظيم صلابة في المواجهة، لكنه يجعله عرضة للانكفاء داخل شرنقة فكرية تضيق بمفهوم المواطنة التعددية.
وهنا يستحضر المرء ما قاله يوماً المفكر اللبناني منح الصلح عن دور الطوائف في صياغة الكيان، محذراً من تحول “القوة” إلى قيد يمنع أصحابها من الاندماج في الفكرة اللبنانية القائمة على التعدد والتسوية، لا الغلبة والانضباط العسكري.
أما في الاستراتيجية العسكرية، فقد اعتمدت النماذج التاريخية الموازية ما يمكن تسميته “توازن الردع النوعي” لتعويض النقص العددي أمام الجيوش النظامية. غير أن هذا النمط من القوة يميل في لحظات التوتر إلى تحويل الجغرافيا إلى ساحة استنفار دائم ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي.
فالأم في بعلبك أو النبطية، برغم فخرها بصمود “القوة”، تحلم في سرها بمستقبل لابنها يكون فيه الطبيب أو المهندس في دولة “طبيعية” تفتح له آفاق العالم، لا مقاتلاً في حرب أبدية لا تنتهي فصولها وتستنزف زهرة الشباب في ميادين الاستنزاف.
بيد أن التحدي الأكبر يكمن في “الولاء المزدوج”؛ فالتنظيم الذي يرى نفسه جزءاً من محور إقليمي واسع يجد نفسه في صراع دائم بين مقتضيات السياسة المحلية وحسابات الاستراتيجية الكبرى، مما يضع “الدولة الموازية” في مهب الريح عند كل تحول إقليمي.
فلبنان، بطبيعته المركبة والحساسة، لا يحتمل المشاريع العملاقة التي تتجاوز قدرته على التنفس، وهو ما أدركه اللبنانيون عبر تاريخهم من خلال تجارب مريرة مع حروب الآخرين على أرضهم.
لكن، كيف تنتهي هذه التجارب؟ التاريخ لا يعطي أحكاماً حتمية، لكنه يرصد اتجاهات؛ فقد انتهت “دولة القلاع” قديماً حين استنزفت القوة نفسها في عزلة استراتيجية عن محيطها، وحين عجزت عن مواجهة قوى صاعدة لم تلتزم بقواعد الاشتباك التقليدية.
وبرغم أن الزمن الحديث يمتلك أدوات مختلفة، إلا أن المنظمات التي تصر على البقاء خارج أطر الدولة قد تجد نفسها تسير نحو مسار من التآكل الذاتي نتيجة تضخم “الأنا التنظيمية” على حساب المصلحة العامة، مما يولد احتقاناً صامتاً يتراكم ببطء حتى داخل بيئته الحاضنة. إن خروج “الدولة داخل الدولة” من نفق العزلة يمر حتماً عبر العودة إلى “منطق الدولة”؛ أي تحويل فائض القوة إلى رصيد وطني، والانتقال من عقلية الحصن إلى رحاب المؤسسة.
الرهان الحقيقي اليوم هو في قدرة اللبنانيين على صياغة عقد اجتماعي جديد ينهي زمن “الحصون” لصالح “المواطنة”. فالمدن لا تُبنى بالسلاح وحده، والقلاع مهما تحصنت تظل أسيرة عزلتها إذا لم تفتح أبوابها لمشروع الدولة العادلة.
والانتصار الحقيقي ليس في الغلبة العسكرية، بل في القدرة على تأمين استقرار مستدام يحول التعددية إلى مصدر قوة، بعيداً عن أوهام القوة المطلقة التي غالباً ما تستهلك نفسها، متناسية أن بقاء الكيانات مرهون بمدى قدرتها على التكيف مع روح العصر ومتطلبات الإنسان أولاً وأخيراً.
