
بقلم الياس عيسى الياس
حين يلوح في أفق العلاقات الدولية شبح “الأرض المحروقة”، يتوقف الصراع عن كونه مجرد تدافع بين خرائط أو تنازع على مصالح، ليتحول إلى زلزال يضرب جوهر الحضارة البشرية؛ تلك التي استغرقت قروناً لتصوغ قوانين تحمي العزل في لحظات الجنون الجماعي. إن ما نشهده اليوم من تلويح أمريكي صريح بتمزيق شرايين الحياة الأساسية في إيران، ليس مجرد مناورة سياسية، بل مؤشر خطير على تآكل ما كان يُسمى يوماً “القيادة الأخلاقية للعالم”. نحن لا نشهد مواجهة عسكرية فحسب، بل لحظة ينزلق فيها ميزان القوة بعيداً عن أي ضابط إنساني.
قد يجادل البعض بأن استهداف البنية التحتية الحيوية هو وسيلة لتقليل كلفة الحروب المباشرة، وتسريع حسم الصراع دون الانزلاق إلى مواجهات طويلة ومكلفة. لكن هذا المنطق، على ما يبدو من براغماتية، يغفل أن كلفته الحقيقية تُدفع من حياة المدنيين، لا من حسابات الجيوش. فحين يتحول “العطش” و”الظلام” إلى أدوات ضغط، فإن الإنسان نفسه يُستبعد من المعادلة.
إننا نعيش لحظة تاريخية فارقة، حيث لم يعد التهديد يكتفي بهزيمة الخصم في ميدان السلاح، بل يسعى إلى إنهاكه وجودياً عبر تجفيف منابع بقائه البيولوجي. وكأن القوة التي تتباهى بقدرتها التقنية على “الإظلام” و”التعطيش” قد أغلقت نوافذها عن رؤية الحكايات البشرية التي لا تقرأها الأقمار الصناعية؛ حكايات يسكنها الصمت والخوف والانتظار خلف جدران البيوت المنسية.
هناك، تحت كل سقف مهدد، يقبع فلاح لا يعنيه صراع الأقطاب بقدر ما تعنيه تلك الشتلة التي يحاول إنقاذها من العطش. وهناك أم تحيك الصوف لأطفالها بمرود الصبر، تحلم بغدٍ لا يمزقه دوي الطائرات. هذه النفوس ليست أرقاماً في معادلات “الضغط الأقصى”، بل أرواح من لحم ودم، تتبخر حين تتحول الحرب إلى استهداف مباشر للرغيف وجرعة الماء.
لقد أنبأنا التاريخ مراراً أن القوة حين تتجرد من رداء الرحمة تتحول إلى لعنة تطارد صاحبها قبل خصمه. لنتأمل ندبة قصف هيروشيما التي لم تكن مجرد سلاح لإنهاء حرب، بل صرخة رعب أبدية محفورة في ذاكرة البشرية. ولنتذكر حصار لينينغراد حين صار الجوع لغة يومية للبقاء؛ تلك لم تكن انتصارات بقدر ما كانت وصمات عار.
اليوم، حين يُلوَّح بقطع شريان الحياة عن ملايين البشر، فإن السياسة تستحضر تلك الأشباح، محوّلةً التكنولوجيا التي وُجدت لخدمة الإنسان إلى أداة تنال من أبسط حقوقه. إن العرف الدولي لم يُوضع لحماية الجنرالات، بل لحماية تلك العجوز التي تعتصر خرزتها في يدها المرتجفة، متسائلة كيف صار “العطش” قراراً سياسياً يُتخذ خلف المكاتب البعيدة.
كيف يستقيم العقل مع تبرير عطش الأطفال في مدن لا صلة لها بساحات القتال؟ إن هذا المنطق العسكري يهدد القيم التي منحت القوى الكبرى هيبتها. فالحرب التي تعمى عن التمييز بين هدف عسكري ومنشأة مدنية هي حرب تفقد بصيرتها الأخلاقية، وتنحدر نحو “بربرية رقمية” حيث يتحول الدمار إلى مشهد عابر على الشاشات.
تغيب خلف بريق الصور حقيقة أن كل ومضة دمار هي صرخة إنسان، وهدم لبيت كان عامراً بالحياة. هذا الاستسهال في الحديث عن “العنف الساحق” هو طعنة في صدر الضمير الإنساني. ونحن هنا في لبنان ندرك، أكثر من غيرنا، معنى أن تكون الضحية في مسرح القوى الكبرى.
لقد خبرنا أن النار حين تشتعل في مكان، لا تبقى محصورة فيه. فالعنف لا ينتج نصراً بقدر ما يزرع كراهية تمتد آثارها إلى أجيال. وهذه الكراهية، حين تنمو، لا تقتلعها الاتفاقيات بسهولة.
والمفارقة المؤلمة تكمن في مطالبة الشعوب بالحرية، بينما تُجرَّد من أبسط مقومات الكرامة. فالعطش والظلام لم يكونا يوماً طريقاً إلى الديمقراطية، بل مدخلاً إلى اليأس والتطرف. إن المضي في هذا النهج قد يعني دخول عالم يضعف فيه القانون، وتصبح فيه الشعوب رهائن لحسابات سياسية ضيقة.
ما تحتاجه منطقتنا اليوم هو استعادة عقلانية ترى في الإنسان قيمة عليا؛ الإنسان الذي يحلم بحياة بسيطة وآمنة. فإذا تخلت القوى الكبرى عن هذه البوصلة، فهي لا تضعف خصومها فقط، بل تضعف صورتها أيضاً، وتترك العالم في فراغ أخلاقي خطير.
في نهاية المطاف، قد يسجل التاريخ أن القوة التي امتلكت أدوات هائلة عجزت عن امتلاك فضيلة ضبط النفس. فالانتصار الذي يُبنى على معاناة المدنيين يظل انتصاراً ناقصاً، مهما بدا حاسماً في لحظته. والسؤال الذي سيبقى معلقاً: أي عالم نريد أن نورثه لأطفالنا—عالم تُحسم فيه الحروب بالسلاح، أم بعطش البشر؟
