
بقلم الياس عيسى الياس
بينما نراقب من مرفأ بيروت المنهك أمواج المتوسط وهي تضرب صخور الروشة ببرودٍ قديم، لا يسعنا نحن أبناء هذا الشرق إلا أن نستشعر ذلك القلق الخفي الذي يسكن الممرات المائية البعيدة. وكأن قدراً جغرافياً يربط أقدارنا بفتحات ضيقة في جسد الأرض، حيث يتقرر مصير الحرب والسلم فوق أمواج متلاطمة.
إن السياسة في جوهرها ليست صراع إرادات فحسب، بل هي “ميزان” دقيق الحساسية. واليوم، والولايات المتحدة تقف في ولاية دونالد ترامب الجديدة أمام اختبار مضيق هرمز، يبدو أن التاريخ لا يكتفي بإعادة نفسه، بل يهمس في أذن واشنطن بكلمات يونانية قديمة عن “الغطرسة” التي تسبق السقوط، وعن تلك “الواقعية” التي تمنع الانفجار العظيم.
لقد نُقش الدرس الأقسى بالدم على جدران مضيق الدردنيل عام 1915، حين وقف وينستون تشرشل، مزهواً بعبقريته كوزير للبحرية البريطانية، ليرسم خطة بدت على الورق عملاً لا تشوبه شائبة. كان الهدف آنذاك هو كسر عزلة روسيا واحتلال القسطنطينية عبر اختراق المضيق بأسطول من المدرعات التي لا تقهر.
أراد تشرشل أن يثبت أن “الحديد” أقوى من “الجغرافيا”، وأن السفن الحديثة قادرة على تجاوز القلاع القديمة للدولة العثمانية، متناسياً أن الممرات الضيقة تحيّد ميزة الضخامة وتمنح المدافع الصامد تفوقاً لا تدركه الرادارات. انطلقت تلك الحملة الكبرى، والتي خلدها التاريخ باسم “حملة غاليبولي”؛ هذا الاسم الذي ليس مجرد تسمية عسكرية، بل هو تعريب للاسم اليوناني القديم “كاليبوليس”، أي “المدينة الجميلة”.
لكن تلك المدينة الجميلة وشبه جزيرتها الاستراتيجية الممتدة كإصبع يحرس الدردنيل، تحولت في شهور قليلة إلى مسلخ بشري كوني غيّر وجه التاريخ. ففي غمرة ذلك النزيف، ولدت “أسطورة أتاتورك”؛ العقيد الشاب مصطفى كمال الذي أدرك أن “الروح” هي التي تحمي المضائق لا الحصون فقط. هناك ولدت تركيا الحديثة، بينما سقط تشرشل سياسياً وانهارت عروش كانت تظن الممرات المائية مجرد طرق مفتوحة لخيولها.
وهو الدرس الذي يبدو أن “الدردنيل المعاصر” في هرمز يعيد طرحه اليوم بوضوح على طاولة البيت الأبيض. فإذا كان ترامب قد لوّح سابقاً بسياسة “الضغط الأقصى”، فإن الأنباء المتواترة عن تفاهمات تحت الطاولة بمسعى باكستاني رصين، تشير إلى أن “سيد البيت الأبيض” بدأ يدرك ببراغماتيته أن فتح الممرات بالقوة هو انتحار اقتصادي كوني.
إن التقارير التي تتحدث عن اتفاق “تهدئة مقابل ضمانات” بوساطة إسلام آباد، تعكس نضجاً اضطرارياً في مواجهة خصم يدرك دروس التاريخ جيداً. فإيران لا تحتاج لمضاهاة الأسطول الخامس، بل تحتاج فقط لامتلاك “روح الدفاع” وزرع الفوضى في ممر يمر عبره خُمس إمدادات الطاقة العالمية. هنا تصبح الزوارق والمسيّرات هي “أدوات غاليبولي” القرن الحادي والعشرين، وسط مياه محاطة بجبال تتقن لغة الكمائن.
إننا في لبنان، نحن الذين عشنا عقوداً من صراعات الوكالة، ندرك أن الحل لا يكمن في “إيجاد الغلبة”، بل في إيجاد “المسطرة” القانونية، تماماً كما فعلت حكمة “اتفاقية مونترو” لعام 1936 التي حمت البوسفور لتسعين عاماً لأنها قامت على العقل لا على استعراض العضلات. وما يحتاجه العالم اليوم هو “مونترو هرمزية” تراعي توازن القوى الجديد، وتتجاوز فكرة “الهدنة المؤقتة” لتصبح ميثاقاً يحفظ مصلحة الجميع.
لقد خسر تشرشل مستقبله حين حاول قهر المضيق بالحديد، بينما نجح الدبلوماسيون حين صاغو كلمات حمت أجيالاً. فهل اختار ترامب إرث الحكمة؟ إن مياه هرمز هي الاختبار الحقيقي لتحويل “ثقب أسود” من التوتر إلى شريان حيوي محكم بقواعد القانون الدولي.
وفي النهاية، تظل الجغرافيا هي القدر، ومن بيروت نرفع هذا النداء: لا تجعلوا من هرمز “غاليبولي” جديدة، بل اجعلوها نصراً للعقل، حتى وإن كان التاريخ يُظهر أن العقل غالباً ما يأتي متأخرًا، بعد أن تدفع الشعوب الثمن. فالحكمة وحدها هي ما يبقى، والميزان هو وحده من يمنع الأرض من الاضطراب.
