
بقلم الياس عيسى الياس
في الذاكرة العميقة لهذه الأرض، لم تكن الحرب يوماً مجرد صدام بارد بين الجيوش، بل كانت دائماً صراعاً ميثولوجياً بين موت يتربص بنا، وقيامة ننتزعها من بين الشقوق. تماماً كما في أسطورة “أدونيس” الذي يسيل دمه في ودياننا كل ربيع ليصبغ النهر بلون الفداء، يبدو لبنان اليوم وكأنه عالق في تلك اللحظة التراجيدية؛ لحظة النزيف الذي لا ينتهي بانتظار “عشتار” التي تجمع شتات الروح.
لكن مأساة لبنان الحقيقية ليست في موته المتكرر، بل في عجزه عن أن يتحول أخيراً إلى دولة تمتلك من السيادة ما يمنع هذا الموت، بدلاً من استبدال زهور شقائق النعمان بدخان الصواريخ العابرة للهويات.
الخروج من هذه الأسطورة لا يكون بانتظار معجزة، بل ببناء هيكل دستوري صلب ينهي لعنة “الساحة” ويحرر القرار الوطني من مذابح الآخرين. ومن هذا المنطلق السيادي، لم يكن ليل بيروت أمس عادياً؛ فبينما كانت النيران ترسم حدود الميدان، حسم إعلان دونالد ترامب عن هدنة العشرة أيام المشهد، واضعاً الجميع أمام استحقاق داهم. في هذه اللحظة، يسقط الانفعال السياسي ليحل محله المنطق السيادي الصرف؛ ذلك الذي لا يقيم وزناً للتوازنات العابرة، بل يحتكم للنصوص التي تحمي الكيان من التفكك.
هذه الهدنة ليست مجرد استراحة محارب، بل هي لحظة ديبلوماسية فاصلة تعيد طرح المطلب الأكثر تعقيداً: حصرية السلاح بيد الدولة. السيادة لا تُجزأ، وهي ممارسة السلطة لحقها في الاستقرار وفق المادة الثانية من الدستور، التي تمنع التنازل عن أي ذرة تراب.
وهنا تحديداً، تنتهي “الساحة” بمرجعياتها الخارجية، ويبدأ منطق الدولة بمرجعيتها الجغرافية الصلبة المتمثلة في اتفاقية “بوليه-نيوكومب” عام 1923. هذه الاتفاقية، التي ثبتت 38 نقطة حدودية دولية، هي الحصن القانوني الذي لا يسقط بمرور الزمن، وعلى قاعدتها تتبلور معادلة “الانسحاب المزدوج” كخيار حاسم لإنهاء النزيف الكياني.
المعادلة واضحة ومباشرة: خروج النفوذ العابر للحدود من مفاصل القرار اللبناني، يقابله انسحاب إسرائيلي كامل إلى الحدود الدولية. لا يمكن استعادة الدولة ما لم يتوقف تدفق التمويل والأفكار التي تحول الوطن إلى صندوق بريد برسم الأجندات الإقليمية.
فك الارتباط هو المبتدأ، واستعادة الجغرافيا هو الخبر. ولتحقيق ذلك، تبرز المادة 52 من الدستور كضمانة دستورية أساسية؛ فرئيس الجمهورية هو المفاوض الأول بالاتفاق مع رئاسة الحكومة، واليوم يستعيد لبنان أداة الفعل الشرعية من خلال تحرك بعبدا باتجاه واشنطن، ليؤكد أن السيادة تبدأ من الداخل.
تاريخياً، لم تكن اتفاقية الهدنة لعام 1949 مجرد ترتيب عسكري، بل كانت اعترافاً دولياً بسلطة تمتلك وحدها حق القرار الميداني فوق ترابها. وفي المقابل، لم يسقط اتفاق 17 أيار 1983 بسبب تفاصيله التقنية، بل لأنه حاول الالتفاف على وحدة المرجعية الدستورية والارتقاء فوق الدولة المنهكة.
الدرس هنا يتجاوز الذكرى؛ فلا حماية لأي تفاهم دولي ما لم يستند إلى جدار وطني صلب تحت سقف القانون، وبقوة جيش يحوّل الانسحاب الإسرائيلي من النقاط المتحفظ عليها من “وعد” ديبلوماسي إلى واقع سيادي غير قابل للمساومة.
إن حصرية السلاح ليست مطلباً فئوياً، بل هي ضرورة دستورية تمليها المادة 65؛ فمجلس الوزراء هو الذي يقود القوة المسلحة ويقرر السياسة العامة. تنظيم القوة وحصر السلاح في إطار الدولة هو القرار الوطني الشجاع الذي يمنع تحويل اللبنانيين إلى وقود لمحاور خارجية، فالعلاج الحقيقي يبدأ بتجفيف منابع الارتهان لا بالبحث عن تسويات هشة.
المفاوضات اليوم هي صراع إرادات قانونية، ومهلة العشرة أيام هي الاختبار الأخير لصلابة الموقف اللبناني قبل قمة واشنطن المرتقبة، التي يسعى البيت الأبيض من خلالها لجمع الأطراف؛ وبينما يتجه الرئيس جوزاف عون للقاء نظيره الأميركي دونالد ترامب لبحث ضمانات الاستقرار، يبقى الاجتماع مع بنيامين نتنياهو مستبعداً ومرفوضاً في الحسابات اللبنانية طالما بقي الاحتلال جاثماً فوق شبر واحد من الأرض(اكسيوس) .
سلاحنا في هذه الديبلوماسية ليس الصواريخ، بل الوثيقة التاريخية لترسيم الحدود (اتفاقية بوليه-نيوكومب لعام 1923) والتمسك الحرفي بالدستور. لبنان أمام فرصة للانتقال من لغة النار إلى لغة القانون؛ فالشرعية الدولية هي المرجع، وحدود 1923 هي الهدف، والجيش هو الضمانة الوحيدة.
الخيار اليوم ليس بين هدنة وحرب، بل بين دورة موت تتكرر تحت مسميات شتى، ودولة تقطع هذه الدورة نهائياً لتعيد لأدونيس حياته وللبنان استقراره. سيبقى القانون هو الحصن الأخير، وسيبقى النص الدستوري هو المرجعية العليا والوثيقة التاريخية هي البرهان القانوني الثابت.
إما دولة كاملة النصاب، أو لا شيء.
