
بقلم ياسمين شعبان
في خطوة سياسية لافتة تكسر جمود المشهد اللبناني، نجح مؤتمر “بيروت منزوعة السلاح” في إرساء قاعدة الإجماع النيابي كمنطلق لاستعادة هيبة الدولة. فبينما كانت شوارع العاصمة تضج بتحديات السلاح غير الشرعي، كان 14 نائباً يمثلون وجدان المدينة يوقعون على وثيقة “الكلمة الواحدة”، واضعين السلطة الشرعية أمام مسؤولياتها التاريخية، ومؤسسين لمرحلة تهدف لأن تكون بيروت نموذجاً يُحتذى به لكل لبنان.
لم يكن المؤتمر مجرد لقاء بروتوكولي، بل “استنفاراً مدنياً” حضرته الفعاليات البلدية والاختيارية والجمعيات الأساسية. لكن تبقى التساؤلات الأكبر هل يمكن تحقيق “بيروت الخالية من السلاح” فعلياً مع استثناء القوى المسلحة من الحوار؟. وهل يمتلك النواب الحاليون القدرة على تأمين الغطاء الشعبي الكامل للمشروع في ظل غياب الأطراف الأخرى؟
خارطة الحضور والغياب: تنسيق عابر للاصطفافات والاختلافات
في حديثه لموقع “ديمقراطيا نيوز” كشف أحد منظميّ المؤتمر أن التحضيرات لم تكن وليدة اللحظة، بل نتاج تنسيق مكثف شمل أطيافاً واسعة من نسيج بيروت النيابي. وفي هذا السياق، برز دور النائب نبيل بدر، رغم عدم حضوره الفعلي، كشريك محوري ومحرك أساسي في مرحلة الإعداد؛ إذ لم يقتصر دوره على الحضور فحسب، بل ساهم بفعالية في رسم قائمة المدعوين وتحديد الأجندة الزمنية للمؤتمر. ورغم أن “ظروف السفر الطارئة” حالت دون تواجده الجسدي، إلا أن مشاركته عبر منصة “زوم” (Zoom)عكس إصراراً على تثبيت الشراكة في القرار.
وبالنسبة للتساؤلات حول نواب “الطاشناق”، رغم التنسيق المسبق والتوقعات بمشاركتهم، انضموا إلى قائمة المعتذرين التي شملت النائبين محمد خواجة وسينتيا زرازير لأسباب خاصة. هذا المشهد المتنوّع بين الحضور الوجاهي والافتراضي والاعتذار، رسم خارطة سياسية جديدة لنواب العاصمة، تميّزت بمحاولة خلق كتلة تواجه فوضى السلاح.
وذكر أنه لم يكن استبعاد قوى معينة من منصة المؤتمر تحت شعار “سقط سهواً”، بل استند إلى فلسفة سياسية واضحة المعايير حيث أوضح المنظمون أن عدم دعوة “حزب الله” جاء نتيجة التزام المؤتمر بالشرعية الدولية، حيث يُصنّف الحزب كمنظمة إرهابية في القوائم الأمريكية، مما يتناقض مع هوية المؤتمر الساعي لدولة المؤسسات. وفي ما يخص “الجماعة الإسلامية”، فقد كان المعيار “ميدانياً” بامتياز؛ إذ اعتبر المنظمون أن انخراط الجماعة في “حرب الإسناد” وامتلاكها فصيلاً مسلحاً (قوات الفجر) يضعها خارج إطار المطالبة بمدينة “منزوعة السلاح”. وبذلك، وجّه المؤتمر رسالة حازمة: لا استثناء لسلاح تحت أي ذريعة أو مسمى.
وفي ما يخص “تيار المستقبل”، فقد حسم الجدل بتأكيده أن الدعوات وُجهت “للصفة لا للاسم”؛ حيث حُصرت بالممثلين المنتخبين شعبياً من نواب وأعضاء مجلس بلدية. ورأى أن غياب التمثيل الرسمي للتيار قد يعود لغياب “الأمين العام” بداعي السفر أو القيادة التي تملك صفة التمثيل المباشر لبيروت حالياً، مؤكدين أن التمثيل السياسي اليوم بات محصوراً بالمنتخبين والجمعيات الفاعلة على الأرض.
وتوقف عند رمزية “ليلة وقف إطلاق النار”، واصفًا مظاهر الرصاص العبثي والمناوشات المسلحة بأنها “رسالة استفزازية” مباشرة للحكومة اللبنانية التي اتخذت قراراً حاسماً بالتصدي للأنشطة العسكرية.
وأكد أن نجاح المؤتمر في حشد نواب العاصمة على “كلمة واحدة” قد أزعج وبشكل واضح كل المتضررين من قيام الدولة والباحثين عن سلطة السلاح.
وفي موقف داعم للسلطة التنفيذية، وضع المؤتمر هذه التجاوزات في عهدة “الأجهزة الأمنية المختصة”، مؤكدًا أن عهد “الدويلات” يجب أن ينتهي، ليكون السلاح وسلطة القرار بيد الشرعية حصراً، تلبيةً لرغبة اللبنانيين الذين استنزفتهم الحروب والقتل المجاني.
الناطور: خارطة طريق تنفيذية من “البيان” إلى “الميدان”
من جهته، قدّم محمود الناطور، مستشار النائب وضاح الصادق، ل”ديموقراطيا نيوز” قراءة عملية لنتائج المؤتمر، مؤكداً أن الأجواء الإيجابية التي سادت لا يجب أن تقف عند حدود التنظير. مؤكدًا على انطلاق قطار التنفيذ عبر مسارات متوازية:
المتابعة: تشكيل لجنة متخصصة قامت بجولات رفيعة المستوى شملت فخامة الرئيس جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، لضمان وجود غطاء سياسي رسمي.
المذكرة التطبيقية: تقديم رؤية تقنية وعملية لكيفية إخلاء العاصمة من المظاهر المسلحة، مع توفير الدعم التشريعي والسياسي لقرارات الرئيسين.
الرقابة الحازمة: تفعيل دور النواب كمراقبين مباشرين لأداء الأجهزة الأمنية في شوارع بيروت، مع التشديد على أن “اليد النيابية” ستوضع بجرأة على أي تقصير أو تواطؤ ميداني.
وفيما يخص معايير المشاركة، حسم ناطور الجدل موضحاً أن “قضية بيروت منزوعة السلاح تبدأ من الجميع ولا تستثني أحداً يمتلك خارج إطار الدولة”، ومن هنا جاء استثناء “الجماعة الإسلامية” بسبب انخراطها في “حرب الإسناد” وامتلاكها فصيلاً مسلحاً، مشيراً إلى أن المسألة ليست موجهة ضد طرف بعينه بل ضد “ظاهرة السلاح” ككل.
أما بشأن “تيار المستقبل”، فقد أوضح ناطور أن المقاربة اعتمدت على “المؤسسات المنتخبة” لا “الأحزاب السياسية”؛ حيث حُصر التمثيل السياسي بالنواب المنتخبين والبلديات والجمعيات الفاعلة، باعتبارهم المسؤولين المباشرين أمام القانون والمجتمع، بعيداً عن الصيغ الحزبية التقليدية التي كانت سائدة.
عيتاني: بين “مشروع 2022” وصحوة 2026.. هل انتهى زمن المناورة؟
في حديث مع “ديموقراطيا نيوز” قدّمت المهندسة رشا عيتاني، رئيسة تجمع منظمة “Resilient Beirut”، قراءة نقدية معمقة لمسار المؤتمر.
وأكدت أن بيروت لم تكن يوماً، ولن تكون، ساحةً للإرهاب أو منطلقاً للترهيب، فهي الحاضرة التي طالما مثّلت الرقيّ والثقافة والوجه الحضاري للبنان، ومن هنا تأتي ضرورة حمايتها من التسلح الذي فرض عليها.
وكشفت عيتاني أن هذا الطرح ليس وليد اللحظة أو مجرد رد فعل عابر، بل هو استكمال لمشروع متكامل أطلقته المنظمة في عام 2022 تحت شعار “بيروت مدينة خالية من السلاح”.
وأوضحت أن ذلك المشروع لم يكن مجرد شعار شعبوي، بل اقترن بـ “مسودة قانون” واضحة المعالم، تحدد آليات التنفيذ والمحاسبة الصارمة لكل من يتجاوز سلطة الدولة.
واستذكرت عيتاني الجولات التي قامت بها آنذاك على نواب العاصمة، مشيرة بأسف إلى أن البعض اختار “المناورة السياسية” والتنصل من المسؤولية، قبل أن تتبدل الموازين اليوم وتدفع الجميع نحو هذه “الصحوة المتأخرة”.
ورغم ترحيبها بتبني دولة الرئيس نواف سلام للموضوع بجدية وطرحه على طاولة مجلس الوزراء، حذرت عيتاني من خطورة الاكتفاء بـ “الاستعراضات الشعبوية” والصور التذكارية.
وسجلت عيتاني ملاحظة قاسية حول التناقض الصارخ الذي شهدته المدينة؛ فبينما كان المؤتمر ينعقد لإعلان السلام والأمان، كانت الضواحي ومحيط العاصمة تهتز على وقع قذائف الـ (B7) والرصاص المنفلت تزامناً مع وقف إطلاق النار.
وختمت عيتاني بالتشديد على أن أمن بيروت لا يتحقق بالوعود، بل بورشة عمل تشريعية وتنفيذية حقيقية تقودها كتلة نواب بيروت بالتعاون مع الحكومة، لتحويل مخرجات المؤتمر إلى قرارات نافذة تضمن الانتقال الفعلي من “الغابة المليشياوية” إلى دولة القانون، لتبقى بيروت منارة للأمان والحرية.
