
بقلم الياس عيسى الياس
قرأتُ، واستمعتُ، كما فعل الكثيرون غيري، إلى كلمة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون عقب دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ.
ولأنني تابعتُ «الهمّ اللبناني» ودهاليزه لسنوات، كما فعل ويفعل جميع اللبنانيين الذين سئموا دفع الأثمان الباهظة من أعصابهم ومستقبل أبنائهم، أقول لكم إن هذا الخطاب لم يكن مجرد “إعلان تهدئة” بروتوكولي يضاف إلى أرشيف البيانات المملة، بل كان “بيان استقلال” من طراز فريد؛ بيان لم يكتبه الهواة في الصالونات، بل كتبته دماء اللبنانيين التي سُفكت على مذبح طموحات الآخرين، وصيغ بواقعية سياسية افتقدناها طويلاً في زواريب الشعارات الرنانة التي كانت دائماً تَعِدنا بالقدس وتوصلنا إلى جهنم.
إن أكثر ما توقفتُ عنده، وهو “بيت القصيد” الذي يجب أن يُقرأ مئة مرة، تأكيد الرئيس الحاسم: “لم نعد ورقة في جيب أي كان، ولا ساحة لحروب أي كان”. هذه الجملة ليست مجرد بلاغة لغوية للاتفاق مع القافية، بل هي إعلان نعي رسمي لحقبة “لبنان الساحة” التي استمرت لنحو نصف قرن.
فالرئيس يدرك، كما يدرك كل لبيب لا يزال يملك ذرة من عقل، أن لبنان دُفع دفعاً ليكون “صندوق بريد” رخيصاً لرسائل إقليمية ودولية دموية؛ كان الآخرون يكتبون الرسائل، ونحن كنا ندفع ثمن الطوابع من أرواح شبابنا وبنيتنا التحتية.
واليوم، وبنبرة واثقة، يعلن الرئيس أن الصندوق قد أُغلق بالشمع الأحمر، وأن الرسالة الوحيدة التي يحملها لبنان اليوم هي رسالة بقائه كدولة طبيعية، تفاوض عن نفسها، وتقرر مصيرها في بعبدا وبيروت، لا في ضواحي عواصم القرار التي استمرأت المتاجرة بنا في أسواق النفوذ والمقايضات الكبرى.
ولطالما انقسم الخطاب في لبنان بين “الرومانسية الانتحارية” التي تبيع الناس أوهاماً بانتصارات ورقية بينما المدن تنهار، وبين “العقلانية السياسية” التي تبني الأوطان، وقد انحاز الرئيس بوضوح شجاع إلى الخيار الثاني، خيار الحياة، حين قال: “بين الانتحار والازدهار، أنا وشعبنا مع الازدهار”. هذا الطرح يضع حداً لثقافة “الموت المجاني” التي حاول البعض تسويقها لنا كقدر محتوم لا رادّ له.
فالرئيس لا يتحدث هنا من موقع الضعف كما سيحاول “تجار الحروب” تصوير الأمر، بل من موقع المسؤول الأخلاقي الذي سئم رؤية شعبه يُساق إلى المقصلة من أجل حسابات لا ناقة له فيها ولا جمل. إن رفض الموت من أجل “أي كان” غير لبنان هو قمة الوطنية والالتزام بميثاق العيش الذي كدنا ننساه تحت وطأة “الأجندات العابرة للحدود”. فالكرامة الحقيقية هي كرامة الإنسان في بيته، وليست كرامة الشعارات فوق الأنقاض.
ولم يفت الرئيس توجيه الشكر لمفاتيح الحل الدولي، من الرئيس الأميركي إلى الأشقاء العرب وفي مقدمتهم المملكة العربية السعودية. هذا الذكاء الدبلوماسي ليس مجرد “إتيكيت”، بل هو اعتراف بالواقع الدولي وإدراك بأن “بسط سلطة الدولة بقواها الذاتية حصراً” هو الممر الإلزامي الوحيد لاستعادة الاحترام العالمي.
فالسيادة، يا سادة، ليست قصيدة زجل تُلقى في المهرجانات، بل هي ممارسة فعلية تحصر السلاح والقرار تحت مظلة الجيش والمؤسسات الشرعية. لقد جربنا “تعدد السلطات” و”تعدد الجيوش” ولم نحصد إلا الغربة والفقر والدمار، واليوم يضع الرئيس النقاط على الحروف: الدولة هي “السفينة” الوحيدة، وما عداها هو غرق جماعي لن ينجو منه حتى أولئك الذين يظنون أنهم يملكون “قوارب نجاة” خاصة بهم.
كما أعجبني في الخطاب تصديه المباشر والشرس لحملات “التخوين”؛ ففي لبنان، بمجرد أن تنادي بالعقل والحكمة، تنهال عليك اتهامات العمالة من “أبطال الشاشات” الذين لم يلمسوا حجر القذيفة يوماً.
الرئيس كان حاسماً بأن الأوطان لا تُبنى بالغريزة بل بالوعي، والتنبيه من “غريزة الانتحار” هو رسالة مشفرة للمغامرين بمصيرنا، ودعوة للبنانيين بفتح عقولهم لكسر جدار التبعية العمياء. فمشروع الدولة هو الأقوى لأنه الأضمن للجميع، من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، حيث لا أحد يحميه حزب أو طائفة، بل الدولة وحدها هي التي تحمي الضعيف قبل القوي.
أما رسالة الرئيس للنازحين فقد كانت بلسماً، فالتزامه بالعودة والإعمار هو تعهد وطني بإعادة اللحمة إلى نسيج اجتماعي كاد يهترئ، وكلمته للعالم بأن “لبنان لن يُكسر” هي تذكير بأن هذا الوطن الصغير “عنيد” بإرادة شعبه لا بسلاح غريب عنه.
لقد وضع الرئيس اللبنانيين والمجتمع الدولي أمام خارطة طريق لا تحتمل التأويل، ترتكز على السيادة المطلقة واستعادة القرار الوطني المسلوب منذ نصف قرن، واعتبار عودة الناس هي الانتصار الحقيقي، وتحويل لبنان من “منصة صواريخ” للآخرين إلى “وطن للحياة” لأبنائه.
أقول لكم، ومن منطلق متابعتي لسنوات “القحط السيادي”، إن العبرة دائماً تكمن في التنفيذ، فحقول الألغام السياسية كثيرة، و”المتضررون” من قيام الدولة أكثر. لكن، إذا كان الخطاب هو “النية”، فإن النية هذه المرة تبدو صلبة كصخور جبالنا.
لقد تعب اللبنانيون من كونهم “أرقاماً للموت” في دفاتر حسابات المحاور القريبة والبعيدة، وآن الأوان أن نكون “رقماً صعباً” في معادلة الازدهار. الرئيس قال “كفى!” للمغامرين، وهي كلمة يجب أن تصبح نشيداً وطنياً جديداً؛ فإما أن نقود السفينة بحكمة الدولة، أو نغرق جميعاً في “جريمة” الانتحار الجماعي. شخصياً، أختار الدولة.. وأختار الحياة التي تليق بلبنان.
عاش لبنان.. سيداً، حراً، ومستقلاً.. ولا يكون ورقة في جيب أحد.
