
بقلم ياسمين شعبان
في إطار مساعيها لإنقاذ لبنان من أزماته، اختتم مستشار وزير الخارجية السعودي، الأمير يزيد بن فرحان، زيارة رسمية استمرت يومين، التقى خلالها المسؤولين الرسميين وكتل نيابية وأبرز القيادات السياسية.
تأتي الزيارة تتويجاً لسلسلة اتصالات رفيعة المستوى بين الرياض وبيروت، حاملةً أفكاراً عملية للحل ترتكز على “اتفاق الطائف” وضرورة استعادة الدولة اللبنانية لدورها السيادي، في ظل تحديات إقليمية وميدانية معقدة.
وأمام هذا الحراك، تبرز مجموعة من التساؤلات الجوهرية: ما هي الأسباب الحقيقية الكامنة وراء هذه الزيارة في هذا التوقيت تحديداً؟ وما هو الدور المرتقب للمملكة في معالجة الملفات الداخلية ومسارات التفاوض المعقدة؟ وأخيراً، ما هي خبايا هذه الزيارة وما تحمله في طياتها من رسائل سياسية غير معلنة للمشهد اللبناني؟
جبور: المملكة حاضنة أساسية للبنان في مواجهة تداعيات الحرب والصدام الميداني
في قراءة متصلة لهذا الحراك الدبلوماسي، يضع المسؤول الإعلامي في حزب “القوات اللبنانية”، شارل جبور، زيارة الأمير يزيد بن فرحان في إطار “ثوابت المملكة التاريخية” تجاه لبنان.
ويؤكد جبور ل”ديمقراطيا نيوز” أن الرياض لطالما حملت همّاً مركزياً يتمثل في الحفاظ على الاستقرار الداخلي، وضمان أن تكون الدولة اللبنانية هي المرجعية الوحيدة، مستندة في ذلك إلى الدستور واتفاق الطائف.
ويشدّد جبور على أن النقطة الجوهرية في الرؤية السعودية هي “استعادة الدولة لمكوناتها السيادية”، وهو المسار الذي يرى أنه تعطل بفعل هيمنة سلاح “حزب الله”، ما أدى إلى حجب المساعدات عن لبنان نتيجة غياب مبدأ احتكار الدولة للسلاح.
ويوضح أن الهمّ السعودي يتلخص في هدفين متلازمين: استعادة دور الدولة الطبيعي لتكف عن كونها “ساحة”، وتجنيب البلاد الانزلاق نحو فتنة داخلية.
وفي ما يتعلق بمسار التفاوض، يرى جبور أن لبنان يعيش اليوم واقعاً مختلفاً جذرياً عما كان عليه قبل 8 تشرين الأول 2023. فبعد أن كان لبنان يتمسك بمبادرة بيروت العربية للسلام (2002)، فرض “حزب الله” واقعًا ميدانيًا جديدًا عبر إشعال الجبهة مع إسرائيل، مما أدى إلى تواجد عسكري إسرائيلي في أجزاء واسعة من الأراضي اللبنانية.
ويتابع جبور: في هذا الجو، ستقف المملكة العربية السعودية خلف أي تحرك تقوم به الدولة اللبنانية لإنهاء هذا الواقع، شرط أن يؤدي الحل إلى احتكار الدولة للسلاح، وخروج إسرائيل من الجنوب، واستعادة السيادة الكاملة”.
ويؤكد أن الخيار المتاح اليوم هو التفاوض، الذي يلقى أيضاً دعماً أمريكياً، معتبراً أن رفض هذا المسار يعني ترك الساحة لمواجهة مفتوحة بين “حزب الله” وإسرائيل، تفتقر لشرعية الدولة التي اتخذت قرارات واضحة بشأن نزع السلاح.
ويخلص جبور إلى أن “المملكة تشكل حاضنة أساسية للدولة، ولبنان في هذه المرحلة الدقيقة بأمسّ الحاجة لثقل الرياض وعلاقاتها الوثيقة مع المجتمع الدولي، ولا سيما الولايات المتحدة”.
وعن الجدل المحيط بجدول لقاءات الأمير يزيد بن فرحان، خاصة ما يتعلق منها برئيس حزب “القوات اللبنانية” الدكتور سمير جعجع، يشير جبور إلى أن “الدكتور جعجع يلتزم الصمت تجاه طبيعة اللقاءات أو تأكيدها من عدمه، احتراماً لخصوصية تحركات الأمير وطبيعة عمله، تاركاً للوفد السعودي حرية الإعلان عن مسار زيارته ومحطاتها”.
الشريف: الرياض تربط التطبيع بالدولة الفلسطينية وتضع السلاح والطائف على الطاولة
من جانبه، يرى السياسي الدكتور خلدون الشريف أن الحراك الدبلوماسي للأمير يزيد بن فرحان يحمل أهدافاً إجرائية واستراتيجية تهدف في المقام الأول إلى ترميم الشرخ اللبناني-اللبناني الذي تعمّق بفعل الحرب و تداعيات المفاوضات المباشرة مع إسرائيل.
ويضع الشريف تحركات الرياض ضمن إطار عملي يرتكز على اربع أولويات واضحة هي: تحصين السلم الأهلي بمنع أي توتر طائفي او مذهبي؛ حماية المؤسسات الدستورية، والعمل على إطلاق حوار داخلي تحت سقف الرئاسة الأول؛ عدم المس بالرئاسات الثلاث؛ ضرورة استمرار التفاوض مع اسرائيل مع عدم الاندفاع إلى سلام إلا عبر الالتزام وربط أي تفاوض بسقف مقررات القمم العربية والإسلامية التي عقدت في المملكة والتي شارك فيها لبنان (2023-2024)، التي ترهن التطبيع بوجود مسار فعلي وغير قابل للرجوع لإقامة الدولة الفلسطينية.
كما يشير الشريف لموقع “ديمقراطيا نيوز” إلى أن المملكة تضع على طاولتها اليوم كافة النقاط العالقة، وفي مقدمتها معضلة السلاح والالتزام الكامل بالدستور واتفاق الطائف.
وفي قراءته للعلاقات مع الاطراف اللبنانية، يرى الشريف أن السعودية تولي اهتماماً خاصاً للرئيس نبيه بري، وتنظر إليه كركن أساسي للاستقرار، مع تعمد غياب البيانات التفصيلية حول اللقاءات التي يجريها الرجل ما يعكس حرصاً على التكتم الدبلوماسي.
ويخلص الشريف إلى أن الغاية السعودية النهائية برأيه هي “تأمين غطاء عربي يخرج لبنان من حالة الساحة، ويمنحه تفاوضاً غير مسلوب الإرادة، يضمن سيادته وسلمه الأهلي”.
