“الإعلام اللبناني” في زمن الحرب ..”جمهورية اللحّاسين”

بقلم خالد صالح

“أدب الروايات” لم يكن يومًا للتسلية أو لتقطيع الوقت، بل كان علمًا قائمًا بحدّ ذاته إذ يضع بين أيدينا سلسلة متماسكة من الأمثلة التي تصحّ في كل زمان ومكان، ومن هذا الأدب العظيم أن قافلة من “الجمال” أضربت عن السير في القافلة، فسألها صاحبها:
‏”هل قصرت معكم في مأكل أو مشرب أو أرهقتكم في عمل؟ ” ..
‏فأجاب كبير الجمال: “نحن لا نشكو لك عطشًا أو جوعًا نصبر عليه، ولا نعبأ بطول سفر ولا بحمل زائد فهذا ديدننا منذ نشأتنا” ..
‏ما بالكم إذا توقفتم عن السير؟ .. سألهم صاحب القافلة !! ..
فرد كبير الجمال:”ألا ترى أننا أكثر من مئة جمل ربطّنا الواحد تلو الآخر بحبل في مسيرة محكمة، ثم جعلتنا جميعا بـ “ذنب حمار” وضعته على رأس القافلة! .. لا سامحك الله” ..
إن هذه الرواية التي أتينا على ذكرها اليوم ليست سوى مرآة صادقة لواقعنا الاعلامي حيث تُرتكب أكبر إهانة في حقّ الكفاءات الإعلامية الشابة، حين نُكبل طاقاتها وعلمها وطموحاتها بقيود نهجٍ أو تبعية بائدة، لأن زمام الاعلام اليوم بأيدي من عجزوا عن السير في ميدان الإعلام – الرسالة، حتى أصبحت القافلة رهينة لمن لايملك البوصلة .. لأن الكفاءة الحقيقية خلقت لتقود لا تنتظر من يجرّها إلى الخلف ..

الولاء الأعمى

ما أحوجنا اليوم ونحن في خضم “معمعة” التبدّلات التي تشهدها المنطقة برمّتها، إلى تخليق حقيقي للرسالة الإعلامية ودورها المهم في رسم الأفق الواضح لهذه التبدّلات، بعيدًا عن ثقافة “القطيع” الذي يسير بلا هدىً، وليس بالشعارات الرنانة ولا بالخطب الموسمية ولا بالدفاع الأعمى أو بالهجوم المقيت، بل بالمواقف، وبالسلوك، وبالقدرة على احترام الاختلاف من دون السقوط في المستنقعات الصغيرة،
‏إن الرقي بالعمل الإعلامي يبدأ حين ندرك أن الاختلاف في الرأي لا يعني العداء، وأن خدمة الصالح العام لا تكون بتلويث سمعة الناس، بل بالعمل، بالصدق، وبالضمير المهني السوي ..
‏السياسة أحد وجوه الإعلام ليست لعبة انتقام، ولا وسيلة لإشباع الأحقاد، بل مسؤولية وأخلاق والتزام أمام الناس والتاريخ، أما من ظنّ أن الوصول إلى الكرسي أو الموقع يبرّر الانحطاط في الخطاب والسلوك والعدوانية في التصرفات، فليعلم أن الكراسي تزول، والمواقع تتلاشى، لكن العار يبقى ..
‏لقد آن الأوان أن نُعيد للصحافة والاعلام المعنى النبيل .. قبل أن نفقد نحن المعنى الإنساني ..

عبودية “البروباغندا”

أتفهّم أن يكون الإنسان متملقًا أو تابعًا أو حتى مطبّلاً، مضطرًا بدافع الحاجة أو الخوف أو لقمة العيش، لكن الذي يُقلقني فعلًا، هو أن ترى بعض الإعلاميين يختارون بأنفسهم أن يكونوا “لحّاسًين” للآخرين، وكأنها هواية فاخرة أو وسام شرف!
تراهم يُسبّحون بحمد من لا يستحق الحمد، ويمجّدون من لا يملك حتى مجدًا، يتناوبون على لعق الكراسي والمناصب والوجوه، كأن اللعق صار عندهم فنًا يُدرَّس أو موهبة تُمنَح لمن يفقدون طعم الكرامة، هل فعلاً في دمهم شيء من “عبوديةٍ” ورثوها جينيًا؟، هل الركوع يُشبعهم أكثر من الخبز؟، أم أن لعاب المديح صار عندهم بديلاً عن ماء الوجه؟، وهل صار الحقد ضرورة في زمننا الراهن للبروز والارتقاء فلا ضير من ممارستهما طالما أنهما يفيان بالغرض ؟
أضحك أحيانًا عندما أراهم يتسابقون في مهرجان النفاق الوطني .. هذا يصفق قبل أن يُطلب منه التصفيق، وذاك يمدح قبل أن يفهم الموضوع، وآخر يوزع كلمات الولاء كما توزع الحلوى في الأعياد ..

جمهورية اللحّاسين

نعم .. إنه زمن “اللحّاسين” الجدد، الذين جعلوا من التملّق مهنة ومن الذل أسلوب حياة، يتباهون بتطبيلهم، ويعتبرونه ذكاءً سياسيًا أو دهاءً اجتماعيًا أو تفوقًا إعلاميًا، ولا يعلمون أن السادة لا يفتحون أبوابهم إلا للكلاب المخلصة، لا للحمقى الذين يلهثون على الفتات ..
مشكلتنا ليست فقط في فساد الإدارة أو السياسة أو التردّي الذي أصاب الإعلام في لبنان بمقتل، بل في فساد النفوس، في أولئك الذين فقدوا القدرة على التمييز بين الاحترام والعبودية، واللباقة والانبطاح، والوفاء والولاء الأعمى .. لأن المجتمع أصبح دائرة مغلقة من “اللعق المتبادل” ، الكبير يُلحَس، ثم يلحَس الأصغر منه، وهكذا حتى تذوب الكرامة كقطعة سكر في فنجان سلطة فاسدة، وتماهيًا مع واقع تم تأسيسه على ثقافة “طمس العقول” ..
ووسط هذا الركام، نُتّهم نحن، القلائل الذين مازالوا واقفين، ثابتين، متمسكين بنهج وطني حقيقي، غير لاهثين خلف موقع أو منصب أو إطلالة إعلامية، و “بودكاست” هنا وآخر هناك، بأننا متعجرفون لأننا لا ننحني، ومتمردون لأننا لا نعرف كيف نلحس .. فقط لأننا لانُساق بحبل كقطيع الجمال، ولا نجترّ مواقفنا كـ “العلكة” صبح مساء ..
لكننا ببساطة .. نرفض أن نكون جزءًا من طقوس “اللعق” الجماعي، نختار أن نجوع بكرامة، على أن نشبع بذلّ .. نُفضّل المنفى على القيد، والصدق على التصفيق، والكرامة على الكراسي ..
ففي “جمهورية اللحّاسين”، لا مكان للأحرار إلا في العزلة، ولا يُسمع صوت الكرامة إلا من أفواهٍ لم تتعلّم بعد فنون النفاق، يرفضون السير بشكل أعمى خلف قيادة لاتفقه من الأصول شيئًا، قيادة بلغت ما بلغته من ممارسة “اللحس” بلا أي خجل ..

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top