لبنان وتلك “العرّافة الغامضة”!..

لبنان وتلك “العرّافة الغامضة”!..

بقلم نزار شاكر – ديمقراطيا نيوز

لا يحتاج المرء إلى برهان كي يدرك أن لبنان يتأثر، بل يتشكل، بالتداعيات الإقليمية المحيطة به، وهذا ليس استثناءً لبنانياً، بل قاعدة تسري على كل الدول، التأثير يتحرك باتجاهين: من الداخل إلى الخارج، ومن الخارج إلى الداخل، وقوة هذا التأثير تتوقف على ما تملكه الدولة من مقومات: موقع جغرافي، ثقل اقتصادي، دور خدماتي أو سياحي، أو حالة فريدة قابلة للتعميم، كما تتوقف على قدرتها على الإنتاج والتصدير، ليس بالمعنى السلعي فقط، بل بالبعد السياسي، والامتداد الفكري، والتأثير الأمني الوازن على مستوى الإقليم والعالم.

1. القدر الجغرافي: كيان في مهب العواصف

قُدِّر للبنان أن يولد ويستمر في منطقة ملتهبة تاريخياً، منذ إعلان استقلاله عام 1943، وُضع هذا الكيان الصغير أمام استحقاقات تفوق حجمه، فوفق المواثيق الدولية وشرعة الأمم المتحدة، يُفترض أن تكون أرضه وحدة جغرافية ذات سيادة غير منقوصة، وأن يكون دستوره واضحاً لا يحتمل التأويل عند كل معضلة، وأن يكون شعبه متماسكاً بكل مكوناته الطائفية والمجتمعية، لكن المسلمات الثلاث هذه بقيت منقوصة.
فلبنان يعاني منذ نشأته من ثلاث إشكاليات بنيوية:
أولاً: أرض محتلة أو متنازع عليها(من عدو غاصب بمساعدة من سهل وباع)، من مزارع شبعا وتلال كفرشوبا إلى الحاجة المزمنة لترسيم الحدود براً وبحراً مع سوريا وفلسطين المحتلة.
ثانياً: صيغة حكم يتاجر بها “أهل الرأي وأهل المصالح وحراس الطائفية”، صيغة وُلدت كحل توافقي مؤقت، فتحولت إلى دستور عرفي جامد.
ثالثاً: دستور يُقرأ بوجهين: نص مكتوب، وتأويلات سياسية تُفرّغه من مضمونه عند كل استحقاق، من انتخاب رئيس للجمهورية، إلى تكليف رئيس للحكومة، إلى تشكيلها.

2. الطائفية: بين “التنوع الفريد” و”المقتلة الدائمة”

لطالما تغنى كثيرون بـ”التنوع الفريد” للتركيبة اللبنانية في محيط أحادي الصبغة، وكانت هذه التركيبة رافعة أحياناً: متنفساً فكرياً وثقافياً وصحياً وتعليمياً واقتصادياً للجوار، بيروت كانت جامعة العرب ومصرفهم ومطبعة كتبهم ومستشفاهم.
لكن الوجه الآخر لهذا التنوع كان “المقتلة”، فالعجز عن إنتاج حل داخلي جعل كل طائفة تقف على “حد نصها ونصلها” وحصتها وحصانتها، منتظرة ارتدادات الخارج لتنتج لها حلاً أو تتنبأ بمستقبلها السياسي والاقتصادي، هكذا صار لبنان ساحة لصراعات الآخرين:

  • الصراع العربي – الإسرائيلي: من حرب 1967 إلى اجتياح 1982 إلى حرب 2006 وصولاً إلى حرب 2023-2024، وتداعيات المستجد الإقليمي والجنوبي.
  • الصراع العربي-العربي: محاور متناحرة تجد في بيروت صندوق بريدها.
  • الصراع الإيراني-الخليجي: الذي جعل من الساحة اللبنانية إحدى أوراقه التفاوضية امتداد إلى .
  • ملف الوجود الفلسطيني المسلح تاريخياً، ثم ملف النزوح السوري اليوم بأبعاده الديموغرافية والأمنية والاقتصادية.
  • الاستنجاد الطائفي الدائم بالخارج: من “فرنسا الأم الحنون” وعلاقة الفرانكوفونية، إلى واشنطن والرياض وطهران والدوحة.
    كل هذه المحاور حوّلت لبنان إلى مرصد دائم لـ”العرافين”، الكل يستشرف مستقبله، والكل يحاول التأثير في مساره.

3. ملفات الداخل: دوامة الصفر المستمرة على المستوى الداخلي، تتكدس الملفات التي تحمل في طياتها عقداً مزمنة:

الملف الاقتصادي: من انهيار 2019، إلى فقدان الودائع، إلى اقتصاد نقدي مشلول، كل خطة إنقاذ تصطدم بالفيتو السياسي.
الملف السلطوي: فراغ رئاسي متكرر، حكومات تصريف أعمال، وتعطيل ممنهج للمؤسسات الدستورية.
الملف العسكري- الأمني: سلاح خارج الدولة، قرار الحرب والسلم، وترسيم الحدود الجنوبية الذي بقي ورقة تفاوض إقليمية حتى 2024.
ملف المحاصصة الطائفية: هي البنية التي تُعيد إنتاج كل الأزمات، دولة الزبائنية التي يتقاسمها “البيت السياسي المتسلط” والأحزاب التي تموضعت داخل هذه البنية حتى لو رفعت شعارات تغييرية.
المفارقة أننا ما نكاد نصل إلى مشارف حل لإحدى هذه الملفات، حتى نعود إلى نقطة الصفر بظروف غامضة، وتكون التهمة الجاهزة دوماً: “التدخل الخارجي”.
4. الخلاصة: كثرة العرافين وضياع البوصلة

هنا تكمن “العرّافة الغامضة” التي يعيشها لبنان، الكل يتفق على تشخيص المرض، والكل يختلف على كتابة الوصفة، الكل يريد “حلاً”، والكل يعرقل أي إنتاج للحل إذا مسّ بحصته.
المشكلة ليست في غياب المقومات، فلبنان لا يزال يملك رأسمالاً بشرياً، وقطاعاً خاصاً مرناً، واغتراباً يمكن أن يكون رافعة، وموقعاً جيوسياسياً يجعله مهماً، المشكلة في التبعية، وفي العجز البنيوي عن الإنتاج السياسي والاقتصادي، في تحويل الدولة من مشروع وطني جامع إلى “شركة مساهمة طائفية”، أسهمها موزعة على زعماء الداخل وكفلاء الخارج.
لم يعد السؤال: ماذا يتنبأ العرافون للبنان؟
بل صار: هل يملك لبنان القدرة على أن ينتج مستقبله بنفسه، ويُصدّره كنموذج، بدل أن يبقى مستورداً دائماً لتوقعات الآخرين ومشاريعهم؟
ما لم يُحسم هذا السؤال، ستبقى العرافة غامضة… والبلد معلقاً بين قراءة الفنجان وانتظار التسوية.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top