عن دبي والضاحية.. وشرق يرفض أن يستريح

بقلم الياس عيسى الياس

​في هذا الشرق المعذب، ثمة من يصر على أننا نعيش في “منطقتين” لا منطقة واحدة، وهو تحديداً ما استوقفني في قراءة لافتة، بل وخطيرة في توقيتها، للكاتب الأمريكي توماس فريدمان في صحيفة “نيويورك تايمز” بتاريخ 12 مايو (أيار) 2026. فريدمان، وفي مقاله الذي جاء بعنوان يحمل صيغة استغاثة: “الناتو، ساعدنا.. ترامب لا يملك استراتيجية تجاه إيران”، لم يذهب بعيداً عن جوهر الحقيقة حين استعار ثنائية “دبي مقابل الضاحية” ليختصر حالنا.

لكن، وبعيداً عن التحليل الأمريكي الذي قد يراه البعض بارداً أو “من فوق لتحت”، نحن الذين نكتوي بنار هذه الجغرافيا ندرك أن القصة ليست مجرد مقارنة بين عمران وهدم، أو “بزنس” وسلاح، بل هي سؤال وجودي: هل قدرنا أن نعيش لنبني أم أننا محكومون بالقتال إلى الأبد؟

​دعونا نتحدث بصراحة ودون قفازات؛ ما نراه في “نموذج الضاحية” ليس مجرد تنظيم مسلح أو حركة مقاومة، بل هو “منظومة حياة” كاملة تقوم على فكرة عسكرة كل شيء، من رغيف الخبز وصولاً إلى أحلام الشباب. في هذا الفكر، تصبح حياة الناس وتعليمهم واستقرارهم مجرد تفاصيل ثانوية، بل ربما “ترفاً مشبوهاً” أمام سطوة الأيديولوجيا العابرة للحدود.

يكفي أن تنظر اليوم بأسى إلى شوارع بيروت، لترى كيف تحولت الحاضرة التي كانت تُسمى “سويسرا الشرق” ومنارة العرب، إلى مجرد “ساحة” بريد لتبادل الرسائل الصاروخية بين القوى الإقليمية.

عندما تتقدم “المقاومة الدائمة” على منطق الدولة والقانون، تهاجر العقول فوراً قبل الأجساد، ويحل الظلام المادي والمعنوي، وتتحول العواصم التي كانت تضج بالثقافة إلى مجرد صدى باهت لقرارات تُطبخ بعيداً في طهران. فهل هذا هو المستقبل الذي نعد به الأجيال القادمة؟ أم أننا استطبنا العيش في خنادق التاريخ؟

​في المقابل، هناك من اختار طريقاً مختلفاً تماماً، يسميه البعض “نموذج دبي” وتتبناه اليوم عواصم خليجية برؤى طموحة وشجاعة. الفكرة هنا ليست سحرية، بل هي بسيطة لدرجة أنها تبدو “ثورية” في غابة الصراعات هذه: إنها فكرة “الدولة الطبيعية”. تلك الدولة التي لا تفاخر بعدد الصواريخ في مخازنها، بل بقوة جواز سفرها، وبمستوى جامعاتها ومستشفياتها، وبقدرتها المذهلة على جذب أذكى العقول من قارات الأرض الست.

السيادة في هذا المنطق لا تعني الصراخ الأجوف في الميادين، بل تعني استقرار العملة، وجذب الاستثمارات، وتوطين التكنولوجيا. وهنا يبرز التساؤل الملح الذي يطرح نفسه في كل ديوانية ومقهى: لماذا يُراد لهذا النموذج العربي الناجح أن يفشل أو يُجر إلى الوحل؟

​الحقيقة التي يغفل عنها الكثيرون، وأشار إليها فريدمان بذكاء حاد في “نيويورك تايمز”، هي أن الاستهداف العسكري لهذه الدول ليس مجرد “خبط عشواء” أو ردات فعل عابرة. طهران وأذرعها يدركون جيداً أن “الرفاهية” والنجاح الاقتصادي هما التهديد الحقيقي والوجودي لمشروعهم؛ فالمواطن الذي يملك وظيفة محترمة وتأميناً صحياً وتعليماً متطوراً لأبنائه، لن يكون لقمة سائغة لشعارات اليأس والخراب، ولن يسهل جره إلى خنادق الحروب العبثية.

لذا، نجد هذا الإصرار المريب على استهداف السفن والممرات المائية والمنشآت الاقتصادية الكبرى. الرسالة الإيرانية واضحة لمن يريد أن يقرأ: “لا مكان للنجاح في هذه المنطقة”. الهدف هو إجبار الجميع على العودة إلى “قانون الغابة”، وتحويل ميزانيات البناء والازدهار إلى ميزانيات تسلح ودفاع، ليبقى الشرق الأوسط غارقاً في دوامة الاستنزاف التي لا تنتهي.

​إن العبرة التي يجب أن يستوعبها العالم، وحلف الناتو الذي يراقب المشهد بحذر وقلق، هي أن القضية اليوم تتجاوز “آبار النفط” أو تأمين مضيق هرمز. نحن أمام صراع حضاري بين من يريد تحويل المنطقة بأكملها إلى “ضاحية كبيرة” ومظلمة، ومن يحاول التمسك بآخر معاقل الأمل والحداثة في هذا الشرق التائه.

إذا خسر “نموذج دبي” معركته التنموية تحت وطأة الابتزاز والبلطجة السياسية، فإن البديل لن يكون ديمقراطية هادئة أو عدالة اجتماعية، بل فوضى عارمة وسواد ستمتد آثاره لتصل شظاياها إلى قلب القارة العجوز.

باختصار شديد، نحن أمام خيارين لا ثالث لهما: إما ناطحات سحاب تعانق المستقبل والرفاه، أو منصات صواريخ لا تعدنا إلا بالخراب والدموع.. واللبيب من الإشارة يفهم، إن كان في العمر بقية للفهم.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top