
بقلم الياس عيسى الياس
في طرابلس، لا تحتاج إلى قراءة أبحاث علم الاجتماع لتفهم كيف تصنع الجغرافيا مصير البشر. يكفيك أن تقف عند مستديرة “نهر أبو علي”؛ على يمينك يمتد بؤس التّبانة والمنكوبين حيث يولد أطفال بخيارات مخنوقة قبل أن يختاروا أي شيء، وعن شمالك، على بُعد مئات الأمتار فقط، تنفتح شوارع المئتين والضم والفرز على أفق آخر تماماً من الرفاه والفرص الشابة. المسافة الفاصلة لا تتعدى دقائق مشياً على الأقدام، لكنها في واقع الحال مسافة ضوئية تفصل بين جيلين وزمنين.
هذا المشهد الذي يتكرر بقسوة في بيروت، حيث تفصل بين الثراء الفاحش والفقر المدقع شوارع وأزقة ضيقة، ليس مجرد تفاوت اقتصادي عابر. إنه سؤال فكري حارق يضرب في عمق السر الإنساني: هل نملك حقاً، بكامل حريتنا، أن نكون شركاء في صنع مصائرنا؟ أم أن هذه المصائر قد صيغت شروطها القاسية خلف ظهورنا، وقبل أن نولد؟
لفترة طويلة، نجحت الثقافة المعاصرة في تسويق وهم كبير يسمى”العصامية الخالصة” (Meritocracy). يُقال للناجح إنه “صنع نفسه بيديه” ليتملكه غرور الاستحقاق، ويُقال للمتعثر إنه لم يجتهد بما يكفي ليغرق في جلد الذات. لكن هذه المعادلة التبسيطية تتجاهل عمداً ما يسميها الفيلسوف السياسي جون رولز “قرعة الولادة”؛ تلك الضربة الأولى للحظ التي تحدد جيناتك، وعائلتك، والحي الذي تستنشق فيه أول نفس، بل واللغةالأولى التي تشكّل وعيك بالعالم.
إن هذا التفاوت البنيوي تحوّل في مجتمعاتنا إلى منظومة ثقافية تريح الضمائر. فحين يُقال للإنسان المسحوق في الأحياء المنسية إن معاناته “قدر مكتوب” وأن عليه الصبر، فإن هذا الخطاب يكون وظيفياً لا رحيماً؛ وظيفتهالحقيقية هي تخدير الأسئلة الحارقة والمطالبة بالعدالة، وإعفاء السياسات والبنى الاقتصادية الجائرة من مسؤولية صناعة هذا الحرمان وإعادة إنتاجه جيلاً بعد جيل.
بالتأكيد، هناك دائماً فكر مضاد يرفض تحويل الإنسان إلى مجرد رد فعل سلبي لظروفه. الفلسفة الوجودية تذكرنا بأن وجود الإنسان يسبق ماهيته، والتاريخ مليء بعصاميين اخترقوا الطوق البنيوي وغيروا مجرى جغرافيتهم بقوة الإرادة. هؤلاء هم الدليل الحي على كرامة القدرة البشرية. لكن الإرادة والجهد ليسا طاقة مجردة متساوية القوة في كل البيئات؛ فالإرادة في بطن خالٍ تُستهلك بالكامل في تأمين رغيف الخبز، بينما الإرادة في عقل نال كفايته من الرعاية تُستثمر في الإبداع والتخطيط للمستقبل. صعود الاستثناء لا ينفي قسوة القاعدة.
الأمر لا يتعلق بالمواساة العاطفية أو تكرار الأدبيات المألوفة. الثقافات الأكثر نضجاً هي التي توقفت عن الوعظ، والتفتت إلى بناء “دولة الرعاية”؛ تلك التي توفر تعليماً رسمياً يضاهي المدارس الخاصة، وتأميناً صحياً شاملاً يحمي كرامة الفرد، مثلما تفعل النماذج الديمقراطية الاجتماعية في شمال أوروبا، حيث يعوض النظام المؤسساتي تفاوت البدايات. وفي بلد كلبنان، يبدو غياب هذه الشبكة هو الجريمة الحقيقية التي تحول الفقر من ظرف مؤقت إلى حكم مؤبد بالسجن الطبقي. وهنا أتساءل بمرارة: كيف يمكننا كجماعة وطنية أن ننام بضمائر مستريحة ونحن نعلم أن ذكاء طفل وقدرته على الحلم يتحددان برمز منطقته البريدية؟
حين ننظر إلى واقعنا بعيون مفتوحة، يسقط وهم “العبقرية الذاتية” ليحل محله نوع من التواضع الأخلاقي؛ فالكثير مما نسميه نجاحاً ليس سوى امتياز محظوظ وجد بيئة حاضنة، وما نجلد الآخرين به كإخفاق ليس سوى نتاج بنى جائرة طحنتهم من دون منفذ للتجاوز. المسألة في النهاية ليست قدراً غيبياً نتقبله، بل هي مسؤولية سياسية وأخلاقية نتحملها جميعاً، إن أردنا حقاً يوماً ما، ألّا تكون الجغرافيا هي الممسكة بزمام المصير البشري.
