
بقلم نزار شاكر
بتاريخ 15 أكتوبر 2026، عاد المركز الإسلامي في سان دييغو إلى واجهة الخبر، لكن على وقع الرصاص هذه المرة، أثناء استراحة طلاب المدرسة التابعة للمسجد، دخل شابان مسلحان وفتحا النار، قُتل حارس الأمن أمين عبد الله، الأمريكي الذي اعتنق الإسلام وعمل حارساً للمكان سنوات، وقف في الواجهة، جمع الأطفال والموظفين، وأدخلهم إلى غرف آمنة، قبل أن يسقط.
انتهى المشهد بأن أعلنت الشرطة العثور على المشتبه فيهما مقتولين داخل سيارتهما عقب الحادث، مرجحة أنهما أقدما على الانتحار، واللافت بأن عمراهما 17 و19 عاماً، وقد صنفت السلطات الحادثة كـ “جريمة كراهية” بعد العثور على كتابات معادية للإسلام داخل السيارة، لكن الدوافع النهائية لم تُعلن بعد.
الأرقام تسبق التفسير
الحادثة لا تقع في فراغ، مجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية CAIR وثق 8683 شكوى تحيز وتمييز ضد المسلمين في 2025، وهو أعلى رقم منذ بدء التوثيق عام 1996، هذه الأرقام هي ما يصفه كثيرون بـ “الإسلاموفوبيا” في صيغتها العملية: مناخ من العداء يتحول من خطاب إلى ممارسة.
ثلاث قراءات للمشهد
أولاً: انعكاس الانقسام الداخلي
منذ العام 2024 تعيش أمريكا حالة استقطاب حاد، الخطاب حول الهوية والهجرة والدين صار أكثر حدة، في هذا الجو، تجد مظاهر الإسلاموفوبيا أرضاً خصبة، ويتحول الغضب السياسي إلى فعل عنيف على الأرض، كما وأن الانجيلية المنتشرة في أمريكا وكبار المسؤولين ليسوا بعيداً عنها هي السبب الرئيسي، فتحريضها يومي على الاسلام والمسلمين، أدى إلى كثير من الصدامات بين الانجيليين والمسلمين.
ثانياً: استهداف رمزي
اختيار أكبر مسجد في المقاطعة، وفي لحظة تجمع الأطفال، لا يوحي بالعشوائية، خاصة وأن المسجد هنا ليس مجرد مبنى، بل رمز للوجود الإسلامي المتنامي، فيصبح هدفاً لمن يريد إيصال رسالة صاخبة.
ثالثاً: نمط الذئب المنفرد
الطريقة تشبه حوادث سابقة: شباب صغار، تأثروا بخطاب كراهية رقمي، تحركوا بمعزل عن تنظيم، وانتهوا بالانتحار، لا بيان
تبني، ولا أثر لتنسيق خارجي حتى الآن.
سؤال الخطاب والمسؤولية العامة
المثير للتساؤل ليس وجود الإسلاموفوبيا نفسها، فهي موثقة بالأرقام، بل البيئة التي تتغذى عليها، عندما ترتفع حدة الخطاب المتشدد ضد “التهديدات الخارجية” وتُصاغ بلغة عسكرية حادة على لسان كبار المسؤولين الأمنيين، يتشكل مزاج عام قد يقرأه البعض كتبرير ضمني للعنف ضد كل ما يُصنف “مختلفاً”.
لا يوجد في التحقيق ما يربط الحادثة بشخص أو جهة محددة، ولا أدلة على تورط مباشر، لكن السؤال يبقى: هل الأداء العلني والخطاب السياسي يرسمان حدوداً جديدة للمسموح، فيجد فيها بعض الأفراد ضوءاً أخضر غير معلن لأفعالهم؟
الخاتمة: انتحروا أم نُحروا؟
حتى الآن، تقول الرواية الرسمية إن المنفذين أنهيا حياتهما داخل السيارة، لكن التوقيت والطريقة تركا فراغاً في السردية، هل كان انتحاراً هروباً من المواجهة بعد فشل اقتحام المصلى؟ أم أن هناك من حرص على إغلاق الفم الذي قد ينطق بتفاصيل لم يرد لها أن تُقال؟
الإجابة معلقة حتى يصدر تقرير FBI النهائي، لكن المؤكد أن سان دييغو أعادت السؤال الأقدم: متى تتحول الإسلاموفوبيا من خطاب على المنابر والشاشات إلى رصاص على أبواب المساجد؟ هل العنف ضد المسلمين في أمريكا شرارة فردية أم نار تُنفخ من الداخل؟.
