
بقلم نزار شاكر
من يمسك القرار الأمريكي فعلًا؟
من الخارج تبدو واشنطن دولة مؤسسات قوية تقود العالم. أما من الداخل فالصورة مختلفة: رئيس يحوّل السياسة إلى انعكاس لحالته اللحظية، وحزبان عاجزان عن التوافق حتى على الأساسيات، ومنظومة مال تدير اللعبة من الخلف.
ما يجري اليوم ليس مجرد استقطاب انتخابي عابر. إنه إعادة رسم لمركز الثقل داخل الدولة. فالقرار لم يعد يُطبخ في لجان الكونغرس أو أروقة الخارجية، بل يخرج من التقاطع بين ثلاث قوى: تقلّب مزاج دونالد ترامب، وتشظّي النخب الحزبية، ونفوذ رأس المال الذي يموّل الجميع ويحتفظ بحق الفيتو الصامت.
وفهم ما يحدث في طهران وكييف وغزة يبدأ بفهم ما يجري في مار-آ-لاغو، وكابيتول هيل، ووول ستريت.
- عندما تصبح مزاجية الرئيس هي القاعدة
تحوّل البيت الأبيض مع ترامب من مؤسسة قرار إلى غرفة عمليات تُدار بتوقيت تغريداته وتحركاته المفاجئة.
ففي ملف إيران مثلًا، تتحوّل الرسائل خلال 24 ساعة من التهديد بالضربة العسكرية إلى الحديث عن اتفاق قريب. وهذا ليس ارتباكًا دائمًا، بل أسلوب تفاوض مقصود لخلق حالة عدم يقين تُربك الخصم وتمنح واشنطن مساحة مناورة.
والثمن داخليًا كبير: البيروقراطية تُشلّ لأن لا أحد يضمن بقاء القرار غدًا، والحلفاء يفقدون الثقة لأن لا التزام نهائي، والسياسة الخارجية تتحول إلى ردود أفعال بدل استراتيجية طويلة المدى.
والأهم أن الولاء الشخصي صار معيار الصعود داخل الحزب الجمهوري. فمن يخالف يُقصى، ومن يلتزم يصعد. حزب متماسك شكليًا لكن بلا بوصلة مؤسية خارج شخص القائد.
- انهيار الوسط وشلل الحزبين
اختفى الوسط القادر على إدارة الدولة، وظهرت انقسامات أعمق داخل كل حزب.
الجمهوريون منقسمون بين تيار ترامبي شعبي يرى السياسة معركة وجود مع “الدولة العميقة”، وتيار مؤسسي تقليدي لا يزال على خطاب ريغان. الأول يملك القاعدة، والثاني يملك التمويل والعلاقات. والمحصلة حزب عاجز عن إنتاج برنامج متماسك يتجاوز شعار “أمريكا أولًا”.
الديمقراطيون يعيشون مواجهة بين جناح وسطي مؤسسي وجناح تقدمي يساري يطالب بإعادة هيكلة الاقتصاد والسياسة الخارجية. والنتيجة خطاب مشتّت وعجز عن تمرير قوانين حتى مع توفر الأغلبية.
هذا الانقسام أنتج كونغرسًا مشلولًا. فرفع سقف الدين، وتمويل الحكومة، ودعم أوكرانيا، كلها صارت رهينة مساومات اللحظة الأخيرة. وغياب الوسط يعني غياب أي طرف قادر على عقد تسويات طويلة المدى. فأمريكا اليوم تُدار بالأزمات لا بالخطط.
- رأس المال: الثابت الوحيد
وسط الفوضى، يبقى رأس المال هو العامل الثابت. فشركات السلاح، والتكنولوجيا، والطاقة، والأدوية لا تراهن على حزب واحد. هي تموّل الجميع، وتدفع للوبيات، وتكتب مسودات القوانين في مكاتب محاماة واشنطن.
والآلية واضحة: تمويل انتخابي مقابل ولاء، وأبواب دوّارة بين البنتاغون والشركات العسكرية، وخبراء سابقون يتحولون إلى مستشارين بأجور عالية. لذلك لا تتغير السياسات الكبرى بتغيّر الرئيس. فدعم إسرائيل ثابت، والمجمع الصناعي العسكري محمي، والعقوبات على إيران تبقى ورقة ضغط بغض النظر عن نبرة التفاوض.
ورأس المال لا يهتم بالأيديولوجيا بل بقواعد اللعبة. والفوضى المنضبطة هي البيئته المثلى: استقرار كافٍ لاستمرار الأرباح، وفوضى كافية لمنع أي إصلاح جذري يمس مصالحه. وأي محاولة لفرض ضرائب على الشركات الكبرى أو تقييد اللوبيات تُدفن قبل أن تولد.
- كيف تتكامل القوى الثلاث
المشهد الحالي نتاج تفاعل هذه الأطراف:
- ترامب يستخدم الانقسام الحزبي ليظهر كبديل عن “المؤسسة الفاسدة”، ويكسب قاعدة جماهيرية تبقي الحزب تابعًا له.
- والنخب الحزبية تستسلم لرأس المال لأنها بدونه لا تستطيع المنافسة، فتعيد إنتاج سياسات تخدم الكبار على حساب الطبقة الوسطى.
- ورأس المال يستثمر في هذا الوضع. فهو لا يريد دولة قوية ولا ضعيفة، بل دولة قابلة للإدارة، تُبقي الأسواق مفتوحة، وتشغل الداخل بالصراعات الثقافية والهوياتية.
والنتيجة سياسة خارجية متقلبة تُربك الجميع، وسياسة داخلية معطلة لا تحل ملفات البنية التحتية والديون والهجرة، وشعب فقد الثقة بأن النظام يعمل لمصلحته.
- سيناريوهان للمستقبل
هذا الوضع لا يمكن أن يستمر بلا نهاية، لكن البدائل غير محسومة.
الأول: إدارة الأزمة بالقطعة
تستمر أمريكا بنظام الإطفاء. فأزمة تلو الأخرى تُدار بالحد الأدنى من التوافق دون حل جذري. والاقتصاد يصمد بفضل الابتكار وهيمنة الدولار، لكن المؤسسات السياسية تتآكل ببطء. وهو سيناريو مريح لرأس المال، لكنه يضعف أمريكا تدريجيًا دوليًا.
الثاني: صدمة تعيد التعريف
أزمة مالية كبرى، أو هزيمة عسكرية، أو انهيار ثقة داخلي، قد تجبر النظام على إعادة تعريف نفسه. وقد نشهد إصلاحًا دستوريًا، أو صعود حزب ثالث، أو مراجعة لدور أمريكا في العالم. إنه أمر مؤلم لكنه يفتح باب إعادة البناء.
أين مركز القرار؟
فهم أمريكا اليوم لا يكون بمتابعة البيت الأبيض وحده. فمن يريد أن يعرف لماذا تشدد واشنطن مع طهران وتلين مع الرياض، ولماذا تدعم أوكرانيا ثم تتراجع، ولماذا تغلق الحدود وتفتح الأسواق، عليه أن يتابع ثلاثة أماكن: مار-آ-لاغو، وكابيتول هيل، ووول ستريت.
والمشكلة ليست فقدان القوة، بل فقدان المركز السياسي القادر على تحويل الصراعات إلى قرارات، والقرارات إلى سياسات، والسياسات إلى نتائج.
والفراغ لا يبقى فارغًا. فرأس المال يملأه الآن.
والسؤال المفتوح: هل يستطيع الداخل الأمريكي إعادة بناء هذا المركز قبل أن يفرض الخارج شروط اللعبة الجديدة؟
والإجابة ستحدد مستقبل أمريكا وشكل النظام الدولي للعقد القادم.
