
بقلم الياس عيسى الياس
منذ أكثر من عشر سنوات، في فينيسيا، كنت أمشي مع صديقي الإيطالي”ماورو”، وحاولت يومها تفسير معنى كلمة “تقبرني” له. انفجر ضاحكاً في البداية، قبل أن يتوقف فجأة ويسألني بذهول حقيقي إن كنت أمزح.
كيف تشرح لمن لا يعرف هذه البلاد أن قمة عاطفتنا هي دعوة صريحة للموت والمواراة تحت التراب؟ عجزت يومها، وضحكت من نفسي؛ فاللبناني لا يتكلم بلسانه ليوصل فكرة جافة، بل يرمي ثقله العاطفي كله في جوف الحرف.
يومها أدركت أن المشكلة ليست في ترجمة كلمة واحدة. المشكلة في ترجمةلسان كامل يحمل ذاكرة أقدم من اللغة التي نكتبه بها.
نحن نعيش في بلاد اعتادت أن تختصر تاريخها في هويتها العربية. والمفارقة هنا أننا نصلّي ونشتم ونبيع ونشتري بلغةٍ عربية، لكنها مبنية على ما يصفه بعض اللغويين بهندسة صوتية وصرفية متأثرة بالركيزة السريانية القديمة.
حين نقول في ضيعتنا “شْقَع الحجار”، أو حين تصرخ أمهاتنا في تموز من”الشوب” وثقل الهجير، فنحن نتحدث بما تركه الأجداد في وعي الأرض. خذ مثلاً ظاهرة خطف الحركات؛ فاللبناني، ووفقاً لهذه النظرية الألسنية، يخطف «كْتب» و«ضْرب» خطفاً، متحرراً من بطء الفتحات. كأنه مستعجل للوصول إلى الفعل. بلا مقدمات.
لكن هذه الجغرافيا الصوتية التي نتغنى بها في صالوناتنا الثقافية أصبحت اليوم تتآكل. ليس بفعل عاديات الزمن، بل بضغط الخوف الاجتماعي الذيبات يوحّد ألسنتنا في قالب باهت.
أتذكر بائع الخضار الطرابلسي في سوق القمح وهو يصيح بمطته الرزينة «عمهلك يا أخي»، وازناً الكلمات بميزان ذهب عتيق. في المقابل، تهزني نبرة جدة صديقي الزغرتاوية وهي ترحب بنا بضم ثقيل: «أهلاً فيكون»، كأن الصوت يخرج من مغاور وادي قاديشا.
وحين ننزل إلى بيروت، تذوب هذه الحواف الحادة كلها في ممشى “الأشرفية” أو “الحمرا”، حيث تميل الألف وتتحول الـ “قاف” إلى همزة ناعمة تناسب إيقاع البيع والشراء السريع.
لقد حدث شيء أخطر؛ إذ تحول اللسان في جغرافيا الخوف اللبناني إلى بطاقة هوية غير مرغوب فيها. وما إن يخرج أحدنا خارج بيئته، حتى يبدأ بمحو هذه العلامات الصوتية؛ فالطرابلسي يخفي مطته، والكسرواني يبتلع قاف الجبل، والجنوبي يداري حركاته. بتنا نتوحد في لسان هجين باهت ونمطي، خوفاً من أن تفضحنا مخارج حروفنا في بلد تحكمه الهواجس.
ولنكن صادقين بعيداً عن الرومانسية: نحن نعيش فصاماً حقيقياً.
نتغنى في المقالات بـ “دَسْت” الحضارات (والدَّسْت هو المزيج والوعاء الكبير بلغة أهل الشمال)، ونفخر بما هضمته لهجتنا من مفردات تركيةو فارسية وإيطالية وفرنسية، من الخاشوقة (الملعقة) والكنباية إلى السَّكْرَبِينَة.
لكن هذه الحيوية القديمة تراجعت اليوم أمام هزيمة لغوية من نوع آخر؛ فأولادنا لا يستطيعون تركيب جملة لبنانية واحدة بسيطة دون الاستعانة بـ”فرنشات” و “إنكليزيات” مشوهة. وربما، في جانب منه، ما نسميه حيوية ليس سوى شكل من أشكال الكسل الثقافي.
حتى الاغتراب، الذي صنع يوماً لهجات هجينة تحمي الهوية، تراجع مفعوله. في الصيف الماضي، التقيت بابن عمي المغترب في ديترويت؛ وحين حاول استخدام عبارة “على راسي” التي ورثها عن جده، خرجت منه مشوهة ومضحكة، كأنه يلفظ حجرًا ثقيلاً.
ضحك بحرج واعتذر بالإنكليزية لأنه لم يعد يتقن مخارج الحروف. في تلك اللحظة أدركت أن الحناجر حين تتبرأ من نبرتها، لا تفقد صوتاً فحسب، بلتفقد أرضاً.
بالأمس، أرسل لي “ماورو” رسالة نصية قصيرة عبر الواتساب، كتب فيها بالإنكليزية: “كيف حالك؟”.
لم أجد رداً يناسب حجم التعب والبلاد التي تتغير كل يوم، سوى أن أكتب لهب اللاتينية ما يلفظه قلبي بالعامية، علّه يفهمها هذه المرة: “To’borni”.
أرسلتها، ثم بقيت أحدق في الشاشة؛ أدركت يومها أن بعض الكلمات لاتُترجم لأنها لا تقول معنى، بل تحفظ وطناً كاملاً في لفظة واحدة.
