
بقلم الياس عيسى الياس
ماذا يحدث بعد أن تسقط عقوبة الإعدام؟ هل نكون، كمجتمع، قد استكملنا بناء العدالة، أم أننا نقف مذهولين عند لحظة ولادتها الصعبة؟
لطالما تابعتُ هذا المخاض الطويل الذي قادته الحركة الحقوقية في لبنان. واليوم، بعدما أقرّت اللجان النيابية المشتركة اقتراح إلغاء الإعدام واستبداله بالأشغال الشاقة المؤبدة المشددة، واحالته إلى الهيئة العامة لمجلس النواب، بتنا على مسافة خطوة واحدة من إخراج المقصلة من منظومتنا القانونية.
ذكرني هذا المشهد بكلمات وزير العدل اللبناني في باريس حين استشهد بألبير كامو: “الإنسان الحقيقي هو من يعرف كيف يمتنع”. لكن هذا “الامتناع” عن القتل ليس نهاية المطاف، بل هو البداية لمواجهة صريحة مع فلسفة العقاب برمتها في بلد مثقل بأزماته. الرهان الحقيقي غداً لا يكمن في استبدال الموت السريع بموت بطيء ممتد خلف القضبان، بل في امتلاك الشجاعة لولادة عدالة إصلاحية حقيقية.
أفهم تماماً تلك المخاوف المشروعة التي تتردد في شارعنا وفي أروقة البرلمان؛ حيث عبّر نواب عن خشيتهم من أن يُفهم إلغاء الإعدام كإشارة تهاون، أو أن تتدخل التوازنات السياسية لتهريب مجرمين خطيرين عبر صفقات عفو مبكر. هذه هواجس تنبع من ضعف ثقة المواطن التاريخية بصلابة المؤسسات.
لكن علم الجريمة يثبت أن المجرم لا يردعه حجم العقوبة بقدر ما تردعه حتمية إلقاء القبض عليه ومحاسبته. في واقعنا، حيث تمتد الثغرات بين الجريمة ونيل الجزاء إلى حد يبعث على الإحباط، يصبح الرهان على قسوة النص مجرد وهم. الردع يبدأ من كفاءة أجهزتنا الأمنية وسرعة ونزاهة قضائنا، لامن حبل المشنقة.
تفصل العدالة الحديثة بدقة بين فهم الظرف البيئي وبين تبرير الفعل الإجرامي؛ فالإدانة والمحاسبة حتميان لحماية المجتمع. لكن عندما ننظر إلى واقعنا، نرى كيف يولد الجرم أحياناً من رحم الحرمان نتيجة غياب الإنماء، وهي “مصادفات بيئية” تشكل سلوك الفرد دون أن تعفيه من مسؤوليته.
هنا تبرز الحاجة لتفكيك منطق القصاص الانتقامي الذي يعامل الجريمةكحدث معزول في الفراغ؛ فالدولة التي نريدها لا تستنسخ الفعل الإجرامي بل ترد عليه بعقوبة تحفظ كرامة المجتمع والقانون معاً عبر مرونة “تفريد العقوبة” ومراجعتها لاحقاً بناءً على تغير الكائن البشري.
وتشير دراسات علم الجريمة إلى أن معدلات السلوك العنيف تنخفض بوضوح مع النضج العقلي واكتمال نمو الدماغ. الكائن البشري أشبه بنهر متدفق، والشاب الذي ارتكب الجريمة في سن العشرين، لا يعود هو نفسه في الأربعين أو الخمسين بعد سنوات من الندم والمراجعة.
إن حبس إنسان مدى الحياة دون أي أفق يعني سجن “الذات المستقبلية” البريئة عقاباً على خطيئة ارتكبتها “الذات الماضية”. وقانوننا يعترف ضمناً بهذه السيولة الإنسانية عندما يخفف العقاب عن الأحداث، فلماذا نصرّ على إسقاط هذا المنطق عند عتبة الأحكام الطويلة؟
ويكتسب هذا النقاش صفة الاستعجال بالنظر إلى واقع السجون اللبنانية، ولا سيما سجن رومية المركزي الذي تؤكد تقارير نقابة المحامين والمنظمات الحقوقية أنه يغص بأضعاف طاقته الاستيعابية وسط أزمة محاكمات غائبة. هذا التآكل الإنساني يستدعي كسر النمط السائد بالتخلي عن السجين ونسيانه.
نحن بحاجة إلى تحويل المؤبد، إذا ما أُقرّ نهائياً، من حكم إعدام مؤجل إلى مسار إصلاحي مرن. وهذا ما فعله القضاء الدستوري في ألمانيا (منذ عام1977)، حيث قضت المحكمة الدستورية بعدم دستورية السجن المؤبد المطلق دون أفق للحرية، ملزمة المشرّع بفتح باب المراجعة القضائية بعد خمسة عشر عاماً، مع إبقاء الاستثناء للجرائم التي تثبت “الجسامة الاستثنائية للذنب”.
هذا التوجه يصبح أكثر ضرورة اليوم، خاصة في ظل النقاش النيابي الأخير والجدل القائم حول تقييد التخفيض وجعله محصوراً بفئات معينة.
ما أطرحه كبديل لهذا الانسداد هو إنشاء آلية قانونية تلزم بمراجعة الحكم دورياً في لبنان بعد انقضاء عشرين عاماً. هذه المراجعة لا تعني الإفراج التلقائي، بل إحالة الملف إلى لجان مستقلة من قضاة وأطباء نفسيين وخبراء سلوك، مع الاستماع لعائلات الضحايا لضمان السلم الأهلي.
إن الهدف ليس الاستمرار في معاقبة جثة رجل كان مجرماً قبل عقود، بل التحقق مما إذا كان هذا الإنسان قد تصالح مع إنسانيته وصار آمناً على مجتمعه.
اقتراب زمن المقصلة من نهايته قانوناً، رهنَ إقرار الهيئة العامة لمجلس النواب النص نهائياً، يفرض علينا التفكير منذ الآن في الخطوة التالية: تحويل هذاالنص إلى ثقافة تشريعية ومجتمعية شاملة. فالعدالة التي تعرف كيف تعاقب، دون أن تفقد إيمانها بإمكانية التغيير، هي وحدها العدالة التيتستحق هذا الاسم.
