حين تكتفي الكاميرا بإحصاء الدموع


 بقلم إلياس عيسى الياس

قبل فترة، كنت أتابع تقريراً مصوراً على شاشة أوروبية عن نازحي الحرب الأخيرة في لبنان، وهم يكتظون في مراكز إيواء ضيقة.
 
استوقفني مشهد الكاميرا وهي تقترب من وجه رجل متعب. ألحّ عليه المراسل بسؤال مكرر: “صف لي بدقة ما شعرت به لحظة الغارة التي دمرت منزلك؟ كيف فررت مع أطفالك؟ “. يبتلع الرجل ريقه، ويحاول حبس دمعة تنزلق رغماً عنه، بينما تحافظ العدسة على لقطة مقربة جداً تلتقط تفاصيل انكساره.
 
لم أعد أذكر اسم القناة، لكنني ما زلت أذكر وجه الرجل.
 
هذا المشهد يتكرر يومياً على شاشاتنا. الكاميرا تبحث عن اللقطة المؤثرة لا عن الحقيقة.
 
تُختزل الحرب المعقدة كلها في دموع طفل أو خيمة نازح، دون أي محاولة جادة لتفكيك التحالفات والسياسات التي جعلت هذا التدمير ممكناً. هنا يفقد الإنسان سياقه، ويتحول من صاحب حق أصيل في الكرامة إلى مجرد موضوع عابر للاستعطاف، ينتظر التفاتة من مشاهد يقبع في الجانب الآمن من العالم.
 
هل يكفي أن نَشهد على الألم ونوثّقه لكي يتحرك هذا العالم؟
 
أم أننا تحولنا إلى متفرجين في ما أسماه المفكر غي ديبور “مجتمع الاستعراض”؟ حيث لا يقتصر الأمر على العجز عن الفعل، بل يتحول الوجع الإنساني نفسه إلى مادة استهلاكية.
 
وتغدو العلاقة مع معاناة الآخرين مجرد علاقة اجتماعية مشوهة تتوسطها وتتحكم بها الصور كبديل عن التجربة الحقيقية.
 
هذا النمط قديم جداً. يعود بنا التاريخ إلى مجاعة “مدراس” في الهند(1876-1878) تحت حكم التاج البريطاني. حينها، ملأت صور الجوعى الصحافة البريطانية لاستدرار العواطف والتبرعات.
 
لكن هذا التوثيق الباكي أسهم في تصوير الإمبراطورية كمنقذ إنساني، وغطى تماماً على السياسات الاقتصادية القاسية للحاكم البريطاني اللوردليتون، والتي تسببت في موت ملايين الهنود جوعاً تحت غطاء قوانين التجارة الحرة.
 
الآلية ذاتها نراها اليوم؛ تكرار مشاهد الرعب يحول الألم إلى سلعة بصرية مألوفة. الباحثة الأميركية سوزان مويلر صاغت مصطلح “إعياء التعاطف” لتصف كيف يعتاد الجمهور صدمة الصورة.
 
لكن سوزان سونتاغ، في مراجعتها الفلسفية الأعمق في كتابها الأخير “تأمل ألم الآخرين” (Regarding the Pain of Others)، جادلت بأن المشكلة الكبرى ليست في بلادة حواسنا أو اعتيادها الحسي، بل في غياب السياق السياسي التفسيري؛ إذ تترك الشاشاتُ الضحيةَ بلا رواية متماسكة توضح “لماذا” وكيف سُلب حقه، ما يجعل الوجع مجرد مأساة طبيعية كالهزات الأرضية، لا جريمة سياسية لها فاعلون واضحون.
 
وهذا التغافل لا يقتصر على عدسات الإعلام الخارجي؛ فالتواطؤ ينتقل بسلاسة من “صانع الصورة” الذي يعزل الألم عن سببه، إلى “الفاعل السياسي” الذي يستثمر في هذا الألم لغسل يديه من التبعات.
 
في لبنان اليوم، تتكامل عدسة الكاميرا الباكية مع خطاب سياسي يحترف إعادة صياغة التاريخ القريب.
 
بينما تنشغل الكاميرات برصد عذاب النازحين بانتظار اتفاق لوقف إطلاق النار، يخرج الأمين العام لحزب الله، الشيخ نعيم قاسم، ليوجه سهام انتقاداته الحادة إلى السلطات اللبنانية، واصفاً اتفاق الإطار المبرم في واشنطن بأنه “سقطة مريعة وتنازل عن السيادة الوطنية”.
 
المفارقة هنا تكمن في الذاكرة الانتقائية. يهاجم قاسم الدولة لأنها تفاوض من موقع الضعف، غافلاً عن السؤال الأبسط: من أوصلها إلى هذا الموقف؟
 
يرى كثيرون في لبنان أن قرار الحزب المنفرد بفتح جبهة الحرب، بمعزل عن الإجماع اللبناني ومؤسسات الدولة، هو الذي صادر قرار السلم والحرب ابتداءً. هذا القرار أسهم مباشرة في انكشاف البلد كلياً، وتدمير مقدراته، وتهجير مئات الآلاف.
 
محاكمة الدولة اليوم لأنها تفاوض تحت النار تتناسى بوضوح من سلبها عناصر قوتها ووضعها تحت المقصلة.
 
هكذا تكتمل الدائرة. والهدف من هذا النقد ليس الغرق في الاستقطاب السياسي اللبناني التقليدي، بل تفكيك آلية الاستعراض المشتركة بينبروباغندا القوة ورمادية الشاشة.
 
فالطرف الذي أفضت قراراته الأحادية إلى التورط في الحرب يحاضر اليومفي السيادة، والكاميرا التي تكتفي برصد البكاء تتهرب من مساءلة من صنع هذه الخيام. الطرفان يشتركان في الآلية نفسها: نزع السياق، وتجهيل المسؤولية، وتحويل الكارثة إلى مسرحية عاطفية تبرئ من اتخذ القرار.
 
الإنسان النازح ليس كائناً هبط من السماء فجأة، بل هو نتاج مباشر لسياسات وقرارات اتخذت خلف الستار.
 
العدسة التي توقفت عند دمعة ذلك الرجل المتعب في مركز الإيواء، وسألته عن تفاصيل هروبه تحت القصف، أخفقت في توجيه السؤال الأهم: من أوصلك إلى هذه اللحظة؟
 
كسر هذا الاستعراض يبدأ عندما نتجرأ على طرح هذا السؤال بالذات، وعندما ندرك أن التضامن مع الضحية لا يعني أبداً إعفاء من تسبب في مأساتها من الحساب.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top