قانون الإعلام الجديد شرعنة العشوائية: معركة هوية الصحافة

بقلم الياس عيسى الياس
 
بعد ستة عشر عاماً من النقاش والتردد في أروقة اللجان النيابية المشتركة، يقف مشروع قانون الإعلام الجديد غداً الأربعاء أمام الهيئة العامة لمجلس النواب اللبناني. وبينما يقترب موعد هذه الجلسة التشريعية الحاسمة، يطالب “تجمع المواقع الإلكترونية في لبنان” بالتريث وتجميد الخطوة بصيغتها الحالية.
 
قد يبدو السجال مجرد خلاف قانوني حول بعض المواد، لكنه في جوهره نقاش حول تعريف الصحافة نفسها. وهنا تكمن أهمية المواجهة التشريعية الحالية.
 
تتمحور الاعتراضات الأساسية حول الفقرة الرابعة من المادة (61) من المشروع المقترح. تعفي هذه الفقرة المواقع الإلكترونية من شروط تنظيمية جوهرية؛ إذ لا تشترط وجود هيكلية تحريرية واضحة، أو رئيس تحرير متفرغ يمتلك الكفاءة الأكاديمية والعملية.
 
تفضي هذه الصياغة عملياً إلى محو الحدود الفاصلة بين ممارسة العمل الصحافي المسؤول والتدوين العشوائي، وتساوي قانوناً بين المؤسسةوالمنصة الفردية. هذه ليست مسألة شكلية، بل هي ثغرة تضرب مفهوم المؤسسة في الصميم.
 
وليس هذا الاعتراض جديداً في تاريخ الإعلام؛ إذ رافقت الهواجس نفسها ولادة الصحافة المنظمة عقب انتشار المطبعة في أوروبا، وحينها ثار جدل واسع لدى بعض النخب خشية اتساع تداول النصوص غير الموثوقة خارج الرقابة التقليدية.
 
نشأت الصحف في بداياتها من نشر المراسلات والتقارير التي كانت تتداول داخل ما عُرف بـ “جمهورية الآداب”، ومع ذلك، كان كتاب تلك الحقبة يدركون أن رسائلهم تمثل مواقفهم أمام المجتمع، فبُنيت الصدقية عبر المسؤولية الفردية والتوقيع بالاسم الصريح.
 
من هذا المنطلق، لجأت الصحف الباكرة لنشر رسائل القراء المتنوعة لتقديم التعددية وإتاحة الفرصة للمتلقي كي يحكم بنفسه. أنتجت هذه الرحلة التاريخية معايير أصول التحقق والتوثيق، إذ أدركت المجتمعات تدريجياً أن الفضاء العام لا يستقيم بمجرد إتاحة أدوات التعبير للجميع، بل بوجود بنى تحمي النقاش وتمنحه مصداقيته.
 
وفي هذا الإطار، يمكن فهم تحليل الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس لنشوء “المجال العام”، حيث شكّلت الصحافة المنصة التي تتيح للأفراد التحاور بوصفهم مواطنين متساوين في النقاش العام، وهو ما يبرز الأهمية الوجودية للمؤسسات التحريرية التي تمنح الحوار وزنه وتضمن تميزه عن الشائعات المتداولة في المقاهي.
 
يهدد النص المقترح للمادة (61) هذا التمايز الهيكلي؛ فمساواة منصة رقمية تستثمر في غرف أخبار حقيقية، وتوظف محترفين يخضعون للمساءلة القانونية، بصفحة مجهولة يديرها شخص واحد لغايات التكسب السريع، خطيئة بحق المهنة وبحق المتلقي على حد سواء.
 
يلغي هذا الدمج مبرر الوجود المؤسسي للصحافة الرصينة، ويغرق الساحة في تفتت رقمي يربك المتلقي ويهدد مفهوم “المجتمع المتخيل” الذي صاغه المفكر بندكت أندرسون، والقائم على التزام القراء بإطار وطني جامع، ليحل محله فراغ تملؤه المنصات الوهمية.
 
في الديمقراطيات المستقرة، كفرنسا على سبيل المثال، لا تُعامل المؤسسة الإعلامية كما تُعامل الصفحة الشخصية على وسائل التواصل. حرية التعبير هناك حق أساسي ومكفول لكل مواطن.
 
أما ممارسة العمل الإعلامي المؤسسي فترتبط بمعايير تنظيمية صارمة تمنح المؤسسة حقوقاً وضمانات قانونية محددة، ويقابلها بالضرورة التزام كامل بالمسؤولية القانونية والعامة. يتجاهل مشروع القانون اللبناني هذا التوازن الضروري، ويعامل المنصات الإخبارية ككتلة واحدة بلا تمايز أو تصنيف احترافي.
 
يدافع “تجمع المواقع الإلكترونية في لبنان” اليوم عن الشروط التنظيمية ليس رغبة في الإقصاء، بل سعياً لحماية ما تبقى من صدقية للصحافة اللبنانية. إن تنظيم قطاع الإعلام الرقمي لا يمر عبر إلغاء المعايير، بل عبر تكريس المرجعيات النقابية الشرعية، بدءاً من تنظيم قطاع المواقع الإلكترونية وصولاً إلى تفعيل دور نقابتي الصحافة والمحررين.
 
لذلك، يبدو تجميد التصويت غداً وفتح باب حوار حقيقي جاد بين مجلس النواب والنقابات والتجمع والخبراء ممرّاً إلزامياً لإنتاج تشريع عصري متوازن. التشريع الجيد لا يُقاس بسرعة إقراره، بل بقدرته على حماية حرية التعبير، وصون المهنية، وضمان توازن العلاقة بين الحق في النشر والمسؤولية العامة؛ وبذلك فقط يحفظ لبنان وجهه الحضاري ورسالته التاريخية في هذا الشرق.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top