
بقلم غنوى أبوضاهر
في عام 2026، يحتفل الدستور اللبناني بمئويته الأولى، حاملاً معه ذاكرة وطنٍ شهد محطات تاريخية مفصلية، من الانتداب إلى الاستقلال، ومن الحروب والأزمات إلى التحولات السياسية الكبرى. وعلى الرغم من كل ما مرّ به لبنان خلال قرن كامل، بقي الدستور المرجعية القانونية العليا التي يُفترض أن تنتظم على أساسها الحياة السياسية والمؤسساتية في البلاد.
غير أن مئوية الدستور لا تقتصر على كونها مناسبة احتفالية أو محطة رمزية في تاريخ الدولة اللبنانية، بل تشكّل فرصة وطنية لإعادة قراءة التجربة اللبنانية بكل ما حملته من نجاحات وإخفاقات، ولفتح نقاش جدي حول العلاقة بين النصوص الدستورية والممارسة السياسية، وبين المبادئ التي كرّسها الدستور والواقع الذي عاشه اللبنانيون على مدى مئة عام.
وفي هذا السياق، يرى نقيب المحامين السابق محمد مراد أن التجربة الدستورية اللبنانية يمكن اعتبارها ناجحة نسبياً من حيث استمرارية الدستور وصموده في مواجهة التحديات. فالدستور اللبناني الصادر عام 1926 يُعدّ من أقدم الدساتير العربية التي ما زالت سارية المفعول، وقد استطاع الصمود أمام أحداث مصيرية شهدتها البلاد، بدءاً من مرحلة الاستقلال، مروراً بالحرب الأهلية اللبنانية وما رافقها من انقسامات عميقة، وصولاً إلى التدخلات الإقليمية والدولية التي تركت آثارها على الحياة السياسية اللبنانية.
ويشير مراد إلى أن الدستور شهد خلال مسيرته الطويلة تعديلات جوهرية، أبرزها تعديلات عام 1943 والتعديلات الدستورية التي أُقرت بموجب اتفاق الطائف عام 1989، والتي أعادت توزيع الصلاحيات بين السلطات الدستورية ورسّخت مفهوم الشراكة الوطنية. إلا أن هذه المسيرة الطويلة تقود، برأيه، إلى خلاصة أساسية مفادها أن الدستور اللبناني نجح في البقاء والاستمرار، لكنه لم ينجح في بناء دولة المؤسسات الفاعلة والقادرة والعادلة بالشكل الذي كان يُفترض أن يحققه.
ورغم ما تضمّنه الدستور من مبادئ متقدمة تقوم على احترام الحريات العامة والتعددية السياسية والفصل بين السلطات وسيادة القانون، يؤكد مراد أن جوهر الأزمة اللبنانية لا يكمن في النصوص الدستورية نفسها، بل في عدم الالتزام بتطبيقها بصورة كاملة. فالمشكلة، بحسب رأيه، ليست في الدستور بحد ذاته، وإنما في الممارسات السياسية التي كثيراً ما تجاوزت أحكامه أو عطّلت تنفيذها.
ويستشهد في هذا الإطار بعدد من الإصلاحات الدستورية الأساسية التي نصّ عليها اتفاق الطائف ولم تُنفّذ حتى اليوم، وفي مقدمتها إنشاء مجلس الشيوخ، وإلغاء الطائفية السياسية، وإقرار اللامركزية الإدارية الموسعة. ويرى أن هذه البنود لا تمثّل مجرد إصلاحات إجرائية، بل تشكّل ركائز أساسية في عملية تطوير النظام السياسي اللبناني وتعزيز فعالية الدولة ومؤسساتها.
ويضيف أن الأعراف السياسية والتسويات السياسية الظرفية باتت، في كثير من الأحيان، تتقدّم على النصوص الدستورية، فيما تحوّلت الاعتبارات الطائفية إلى عنصر حاكم في صناعة القرار السياسي، مما أسهم في إضعاف المؤسسات الدستورية وتقليص دورها الطبيعي في إدارة الشأن العام.
أما في ما يتعلق بالحريات العامة وحقوق المواطنين، فيعتبر مراد أن الدستور اللبناني شكّل تاريخياً إطاراً قانونياً متقدماً نسبياً لحمايتها، وأن مرونته أسهمت في توفير ضمانات مهمة للحريات الأساسية. إلا أن هذه الحماية تبقى مرتبطة بمدى احترام الدستور وتطبيقه، ذلك أن أي تراجع في الالتزام بأحكامه ينعكس بصورة مباشرة على مستوى الحقوق والحريات، ويؤدي إلى إضعاف الضمانات القانونية التي يفترض أن يتمتع بها المواطن في دولة القانون.
وفي ما يخص مبدأ الفصل بين السلطات، يؤكد مراد أن هذا المبدأ منصوص عليه بوضوح في الدستور اللبناني، ولا سيما في مقدمته، غير أن التطبيق العملي لا يزال بعيداً عن المستوى المطلوب. ويشير إلى وجود تداخل بين السلطتين التشريعية والتنفيذية نتيجة الجمع بين النيابة والوزارة في حالات عديدة، مما يُضعف الدور الرقابي لمجلس النواب ويحدّ من فعالية المحاسبة السياسية.
كما يلفت إلى استمرار الجدل حول استقلالية السلطة القضائية في ظل التأثيرات السياسية والحزبية والطائفية التي تطال عمل القضاء، فضلاً عن اعتماد المحاصصة الطائفية في كثير من التعيينات والقرارات الأساسية، مما يجعل موازين القوى السياسية أقوى أثراً من النصوص الدستورية نفسها.
ومع ذلك، يرى مراد أن مبدأ الفصل بين السلطات لم يغب بالكامل عن الحياة الدستورية اللبنانية، مشيراً إلى الدور الذي يؤديه المجلس الدستوري في الرقابة على دستورية القوانين، وإلى القرارات التي أصدرها خلال السنوات الأخيرة وأبطل بموجبها نصوصاً قانونية مخالفة للدستور ولمبادئه الأساسية.
وعن أبرز التحديات التي تواجه الدولة اللبنانية اليوم، يرى مراد أن المشهد يتداخل فيه الدستوري بالمؤسساتي والسياسي والاقتصادي. فهناك استحقاقات دستورية لا تزال تنتظر التنفيذ، وفي مقدمتها استكمال تطبيق اتفاق الطائف والإصلاحات المرتبطة به، وتعزيز استقلالية القضاء، وضمان انتظام عمل المؤسسات الدستورية، ومعالجة الإشكالية المزمنة المتعلقة بالتوازن بين الواقع الطائفي ومتطلبات بناء الدولة المدنية.
ولا تقتصر التحديات على الجانب الدستوري فحسب، بل تمتد إلى ملفات سياسية ومؤسساتية واقتصادية معقدة، من بينها مكافحة الفساد، وتعزيز الحوكمة الرشيدة، وإصلاح الإدارة العامة، واستعادة فعالية المؤسسات الرسمية، إضافة إلى معالجة تداعيات الأزمة المالية والنقدية المستمرة منذ عام 2019 وما خلّفته من أعباء اجتماعية واقتصادية ثقيلة.
وحول مدى قدرة الدستور اللبناني على الاستمرار كضمانة لبناء الدولة، يؤكد مراد أن الدستور لا يزال المرجعية القانونية العليا للدولة اللبنانية، وأن السلطات والمؤسسات تستمد شرعيتها منه، كما أن أي تعديل جوهري في النظام السياسي لا يمكن أن يتم إلا عبر الآليات الدستورية المعتمدة. إلا أنه يقرّ، في الوقت نفسه، بوجود فجوة واضحة بين النص والتطبيق نتيجة تغليب الأعراف السياسية والتوافقات الطائفية على أحكام الدستور في محطات وطنية عديدة.
أما الخطر الأكبر الذي يهدد الدستور اللبناني اليوم، فيرى مراد أنه لا يتمثل فقط في الانقسامات السياسية، بل في ضعف المؤسسات وغياب المساءلة الفعلية. فالدساتير لا تستمد قوتها من جودة النصوص وحدها، بل من قدرة المؤسسات على تطبيقها ومن وجود آليات فعالة لمحاسبة من يخالفها. وعندما تضعف المؤسسات وتتراجع المحاسبة، يصبح الدستور عرضة للتهميش مهما بلغت قوة أحكامه.
وبعد مئة عام على ولادة الدستور اللبناني، تبدو الحاجة أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى لإعادة الاعتبار لدولة القانون والمؤسسات. فقد أثبتت التجربة اللبنانية أن المشكلة لم تكن يوماً في غياب النصوص الدستورية، بل في ضعف الالتزام بها وفي تغليب المصالح الفئوية والاعتبارات السياسية الضيقة على المصلحة الوطنية. وبين نجاح الدستور في الصمود أمام العواصف التي عصفت بالبلاد، وإخفاق الدولة في استكمال مشروعها المؤسساتي، تبقى مئويته مناسبة للتأكيد أن بناء الدولة لا يبدأ من تعديل النصوص بقدر ما يبدأ من احترامها وتطبيقها.
فالدساتير تُكتب بالحبر، لكنها تُصان بالإرادة الوطنية، ولا تكتسب حياتها الحقيقية إلا حين تتحول مبادئها إلى ممارسة يومية في أداء الدولة ومؤسساتها.
