
بقلم الياس عيسى الياس
يجلس سيمون كرم في واشنطن يراجع المحضر الأخير، بينما يتحرك لواء غولاني على الأرض ليفرض سيطرة عملياتية على مرتفعات قلعة الشقيف. هذا هو الواقع اللبناني في أدق تفاصيله وأكثرها قسوة؛ تفاوض برعاية دولية فوق سجاد العاصمة الأميركية الفاخر، واشتباك بالمسيرات الانقضاضية والصواريخ في محيط يحمر ودبين.
لم يعد “إعلان واشنطن” مجرد حبر دبلوماسي عابر يضاف إلى أرشيف الخيبات، بل هو مواجهة صريحة، وربما أخيرة، مع أسئلة مؤجلة منذ اتفاق الطائف. للمرة الأولى، تجد الدولة اللبنانية نفسها في موقع من يطرح المبادرة لا من يتلقى الشروط، حين اقترح رئيس الجمهورية أن تكون بلدتا زوطر الغربية والشرقية، ومعهما الشقيف، حقل الاختبار الأول لما سمي “المنطقة التجريبية” (Pilot Zones). وهي صيغة تفاوضية صارمة تشترط السيطرة الحصرية والكاملة للجيش اللبناني، وإخلاء السلاح غير الشرعي، مقابل انسحاب الجيش الإسرائيلي الشامل من هذه النقاط. الأمر هنا يتجاوز التكتيك العسكري والترتيبات الميدانية؛ إنه صياغة بالغة الأهمية لمعادلة السيادة المفقودة، ومحاولة لترميم وطن يراد له أن يبقى ساحة مفتوحة بلا سقف.
البيان المشترك الصادر عن الولايات المتحدة وإسرائيل ولبنان يحمل في طياته تحولاً بنيوياً في النظرة الدولية والمحلية للأزمة؛ فالنص يشدد بنبرة قاطعة على أن مستقبل العلاقة بين إسرائيل ولبنان يجب أن تقرره فقط”الحكومتان السياديتان في البلدين”، معلناً في بند شديد الوضوح رفض الأطراف لأي محاولة من أي دولة أو “جهة غير حكومية” لاحتجاز مستقبل لبنان أو التحكم به. هذا النص ليس مجرد توصيف سياسي، بل هو نزع شرعي ودولي عن مفهوم “الدولة الموازية” وعن فائض القوة الذي رهن البلد لعقود.
أعترف أنني شعرت بجرعة من القلق، بل والتردد، وأنا أقرأ نص البيان. لست واثقاً إن كان مسار واشنطن سينجح في لجم الغطرسة الإسرائيلية، أو إن كان لبنان يملك الترسانة الدبلوماسية الكافية لحماية جيشه في تلك البقعة الساخنة، لكنني على يقين تام بأن البديل هو الاستمرار في دوامة الانتحار الموصوف والانهيار الصامت. في المقابل، جاء بيان الشيخ نعيم قاسم ليرسم سقفاً مألوفاً يرفض هذه الترتيبات جملة وتفصيلاً. فالحزب يرى في الاتفاق مهزلة عبثية، ويعتبر المطالبة بنزع سلاحه كمنطلق للحل تهديداً وجودياً لبنيته، رابطاً وقف القتال بتفاهمات إقليمية أوسع تشمل طهران، وهو ما يعيدنا فوراً إلى مربع المصادرة الأول.
لكن المربع الأول هذه المرة يصطدم بجدار حكومي صلب لم يعد يملك ترف المناورة. الموقف الرسمي الحاسم والبيان الصادر عن مجلس الوزراء وضعا النقاط على الحروف السيادية المبعثرة، فقد حمل النص الحكومي ثقلاً سياسياً استثنائياً منح الغطاء التنفيذي والشرعي والدستوري الأقوى لتوجه رئاسة الجمهورية، محولاً الموقف من مجرد مجهود دبلوماسي في أروقة الخارجية الأميركية إلى التزام صريح وموثق صادر عن السراي الحكومي بإجماع مكوناته.
حين يخرج رئيس الحكومة نواف سلام من على منبر السراي ليعلن أن التفاوض هو الخيار الأفضل والأقل كلفة، وأن خلو جنوب الليطاني من السلاح ليس شرطاً مستجداً أملته واشنطن، بل هو تعهد لبناني دولي قديم عمره عشرون عاماً بموجب القرار 1701 واتفاق الطائف، فإنه يسحب البساط بالكامل من تحت خطاب المظلومية والمؤامرات الخارجية. لقد دخل رئيس الحكومة خط المواجهة المباشرة مع منطق حزب الله، مفككاً الذرائع التاريخية بجرأة غير معهودة، حين ذكّر الجميع بالفرص التاريخية الضائعةالتي أهدرها لبنان عام 2000 بعد الانسحاب الإسرائيلي وعام 2005 بعد الانسحاب السوري، محذراً من أن تضييع الفرصة اليوم لن تحمد عقباه أمام شعب قدم أكبر التضحيات.
من يراقب الجنوب اليوم يدرك أن المعركة تجاوزت حدود تبادل النار؛ إنها معركة على جغرافيا مرحلة ما بعد الحرب وهويتها السياسية. حين يخرج وزير الدفاع الإسرائيلي ليعلن أن جيشه سيبقى في المنطقة الأمنية ويمنع عودة السكان، وفي الوقت نفسه يستمر الحزب في إطلاق المسيرات الانقضاضية متمسكاً برفض إخلاء المقاتلين، نكتشف حجم المأزق الذي يوضع فيه البلد. لقد تدخل الرئيس دونالد ترامب بوضوح لكسر هذه الدوامة، وتوجيه انتقادات حادة لنتنياهو لوقف خطة تدمير واسعة كانت تستهدف بيروت، ليوفر للبنان شبكة أمان مؤقتة، غير أن الإصرار على مواصلة الهجمات وسط التفاوض يبدو كمحاولة متعمدة لإحراج الدولة وتعرية غطائها الدولي.
وهنا تتبدى الحبكة الإنسانية والسياسية في أبهى صورها التراجيدية؛ فزوطر والشقيف ليستا مجرد نقاط جامدة على الخريطة، إنهما خط التماسبين منطقين لا يلتقيان؛ منطق أول يرى في بسط سلطة الجيش اللبناني انكساراً لمشروعه الغارق في أيديولوجيا مستوردة وارتباط عضوي بطهران، فيفضل الركام والرماد على السيادة ويصر على إبقاء الجنوبيين وقوداً لحرب الآخرين، ومنطق آخر، تتبناه اليوم مؤسسات الدولة الدستورية، يرى في البذلة العسكرية الرسمية المظلة الوحيدة التي تقي هذا الشعب الإبادة والتهجير المستمر، وتتعامل مع “المنطقة التجريبية” كخطوة عملية وملموسة تقربنا من الانسحاب الإسرائيلي الكامل وعودة الناس إلى بيوتهم وأراضيهم.
كيف وصلنا إلى زمن ينظر فيه إلى انتشار الجيش الوطني في جنوب بلاده كأنه قوة غريبة أو خطر وجودي؟ هذا هو السؤال الفعلي الذي يهرب منه حراس الهياكل الجاهزة تحصناً وراء ركام الشعارات الجوفاء. إن ربط مصير قرانا المدمرة وأهلنا المهجرين بجبهات إقليمية لم يعد تكتيكاً مقاوماً، بل هواستنزاف بلا أفق لجسد لبناني نحيل لم يعد يحتمل هذه الأثقال. الخوف مشروع، والشك في النوايا الأميركية أو الإسرائيلية هو جزء من وعينا التاريخي، لكن الخوف الأكبر هو أن تضيع هذه الفرصة وسط صراخ التخوين المعتاد، فنصحو وقد تحول الجنوب إلى منطقة عازلة دائمة بحكم الأمر الواقع.
لا أملك أوهاماً بأن الطريق نحو الثاني والعشرين من حزيران، موعد جولة المفاوضات الشاملة القادمة في واشنطن، سيكون مفروشاً بالورود، ولا أدعي أن هذا الاتفاق يحمل حلولاً سحرية لبلد تنهشه الانقسامات. لكن، وفي ذروة هذا التخبط، تبدو العودة إلى الدستور، والالتزام بحصرية السلاح بيد الدولة التي نص عليها الطائف وأكد عليها البيان الوزاري الحالي، هي خيار العقل الوحيد المتبقي لإخراجنا من هذه المحنة الدائمة. لقد شبعنا من الخنادق، ومن كذبة “الأمن بالتراضي” التي أفقرت العاصمة وعزلتها عن عالمها العربي وجعلتها مجرد ساحة بريدية لتبادل الرسائل الدامية.
قوة لبنان الحقيقية، تلك التي ناضلنا من أجلها، لم تكن يوماً في ترسانات السلاح المنفلت من عقاله، بل في شجاعة الموقف السياسي، وفي التفاف اللبنانيين حول علم واحد وجيش واحد يحمي الجميع بلا تمييز. اللبنانيون لم يعودوا يملكون ترف الوقت، والتخلف عن التقاط هذه اللحظة الراهنة، والتمترس خلف حسابات لا تخدم المصلحة الوطنية العليا، هو تفريط بمصير البلاد وتكاملها الجغرافي. إن تحذير السراي الحكومي كان واضحاً في دلالاته؛ فمن يرفض أو يماطل اليوم، يتحمل وحده وزر ما قد يترتب على ذلك أمام التاريخ، وأمام شعب لن يرضى بعد اليوم بغير الدولة بديلاً.
