
بقلم جوزاف وهبه
ما لم يجرؤ “رئيس” على فعله، قام به الرئيسان جوزاف عون ونوّاف سلام:مواجهة حزب الله بكلّ ما أوتيا من إدانة واستنكار، بدءً من الردّ على خطب الأمين العام الشيخ نعيم قاسم (الشيخ نعيم قاسم لا يمثّل الشعب اللبناني، كما جاء على لسان عون..)، وصولاً إلى رفض التدخّل الإيراني السافر بالشؤون الداخليّة، وخاصّة ما يتعلّق منها بالمفاوضات المباشرة مع إسرائيل أو بالحرب اللبنانيّة – الإسرائيليّة الدائرة في الجنوب (الجنوب ليس جبهة احتياطيّة للمفاوضات الأميركيّة الإيرانيّة، كما جاء على لسان سلام…)…
للمرّة الأولى، يتوحّد الرجلان علناً، ليس في مواجهة الحزب فقط، وإنّما في مواجهة “الرئيس الثالث” الذي لا يزال “رجلاً في الفلاحة ورِجلاً في البور”، بالرغم من “خراب البصرة”، وبالرغم من اقتراب النار من مدينتي صور والنبطيّة، بمعنى السقوط المتجدّد لجبل عامل تحت الإحتلال الإسرائيلي بعد 26 سنة من التحرير!
فبعد المواقف المشتركة العالية النبرة والواضحة الصريحة للرئيسين “التنفيذيين”، يمكن القول أنّ الساحة اللبنانيّة لم تعد مستباحة، أكان لادّعاء الشيخ قاسم بأنّه يتكلّم باسم الشعب اللبناني، كما لم تعد بيروت العاصمة الرابعة التي ادّعى الحرس الثوري الإيراني سيطرته عليها: بات للشعب اللبناني ناطق واحد هو الدولة اللبنانيّة، والعاصمة اللبنانيّة لها أصحاب أصيلون، قد يغيبون لفترة من الزمن، ولكن لا بدّ أن يعود صوتهم ليرتفع، من قبل “سوريّا (الأسد) برّا برّا”… واليوم “إيران (مجتبى الخامنئي وحرسه) برّا برّا”!
ما قام به الرئيسان عون وسلام ليس مجرّد كلام “لا يقدّم ولا يؤخّر”.هو النواة الرسميّة الصلبة التي يمكن البناء عليها كلّ ما يمكن أن يأتينا من دعم، أكان من الدول العربيّة والخليج والسعوديّة، أو كان من الغرب الأميركي والأوروبي والفرنسي. إنّه “الحلقة المفقودة” التي طالما كان البلد يحتاجها كممرّ إجباري للخروج من العتمة التي نغرق فيها منذ عشرات السنين، تحت وطأة شعارات “تحرير القدس والمسجد الأقصى” تارةً، ومواجهة “الشيطان الأكبر” طوراً. فلا القدس تحرّرت، ولا الشيطان سقط. وكلّ ما جنيناه هو الخراب والدمار والموت “السعيد” في جنازات تتكرّر طقوسها بلا هوادة ولا أفق ولا نهايات جميلة!
قد يحلو للبعض أن يتخوّف من انهيار الوحدة الوطنيّة، أو الدخول في اقتتال داخلي لا يُبقي ولا يذرّ… والسؤال المتعدّد الأوجه لهؤلاء المتردّدين: هل الحرب المفتوحة مع إسرائيل (العدو الغاشم المغتصب المجرم..وكلّ صفات الشرّ المطلق) يمكن لها إذا ما استمرّت طويلاً، بلا كوابح أميركيّة إنّما يوفّرها بعناء النفس الموقف الرسمي المعلن، أن تُبقي على شيء في الجنوب والضاحية وكلّ البلد؟ هل الخوف المشروع على الوحدة الوطنيّة، يبادله الحزب بالحرص على تجنيب البلد الحروب والخضّات والويلات التي يقدّمها “غبّ طلب” الحاجة والمصلحة الإيرانيّة، ليس إلّا؟ هل سبق ومنعَ احتضان الرئيس رفيق الحريري رعاية المقاومة من قرار وتنفيذ الإغتيال الأضخم في لبنان، وذلك بإشراف مباشر من حسن نصرالله نفسه؟ هل تضحيات سنّة لبنان في سبيل القضيّة الفلسطينيّة والقدس كانت كافية لمنع اجتياح بيروت في “7 أيّار المجيد”؟ هل وقوف الرئيس عون طوال السنة الأولى من عهده على “خاطر” محمد رعد ونعيم قاسم ووفيق صفا، حال دون خوض غمار “إسناد غزّة” أوّلاً، و”إسناد طهران” ثانياً وثالثاً… وإلى الأبد؟
لقد آن الأوان لقطع “حبل السرّة” مع سرديّات الحزب التي لا توفّر بشراً أو حجراً. لقد آن الأوان لرفع الصوت الرسمي، بلا كفوف ولا غطاء، بأنّ حزب الله لا يمثّل طموح الناس، وأنّ مصالح لبنان تتعارض جذريّاً مع مصالح إيران… وأنّ الوطن في خطر جرّاء سياسات الحزب، وجرّاء شعارات الحزب، وجرّاء التمادي في مهادنة ومداهنة الحزب من قبل أمثال نبيه برّي ووليد جنبلاط وجبران باسيل وسليمان فرنجيّة، وغيرهم من الحريصين دون جدوى على “الوحدة الوطنيّة”!
وعلى هامش هذا التحوّل التاريخي في الخطاب والأداء الرسميين، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ “مطار رينه معوّض” في القليعات – عكّار، ما كان له أن يشهد النور لولا “ضعف” حزب الله من جهّة، ولولا “السقوط المدوي” لنظام الأسد من جهّة أخرى.
باختصار، برافو جوزاف عون… برافو نوّاف سلام. هذا هو طريق الخلاص الوحيد، قبل أن تجرفنا جميعاً التحوّلات الإقليميّة والعالميّة!!
