مونديال 2026: بين صخب الاحتفال العالمي ومحاولات الهروب المؤقت من واقع الحروب في لبنان

بقلم ندى جوني

في الوقت الذي تشهد فيه منطقة الشرق الأوسط ولا سيّما لبنان صراعات وحروب، وتتصدر أخبار النزاعات المسلحة واجهة الأحداث، يتحضر العالم أجمع لاستقبال الحدث الرياضي الأضخم: ” كأس العالم ” وهي النسخة الثالثة والعشرون من بطولات كأس العالم لكرة القدم. لا تأتي هذه النسخة من كأس العالم كسياق رياضي معزول، بل تتقاطع مع واقع إقليمي مأزوم. في المقابل، يبرز لبنان كنموذج واضح لهذه المفارقة. بالنسبة للبنانيين، تعتبر كرة القدم هي المنفس المؤقت الذي يتيح لهم كونهم يعيشون في بلد منقسم ومتخبط فرصة للتوحد خلف ألوان لا تمت للاصطفافات الحزبية والطائفية أي صلة. وهذا ما كان يعكس حاجة الشعب اللبناني الذي أنهكته الأزمات المتلاحقة لاستعادة الوحدة والهروب من واقعه الصعب.

المونديال والذاكرة اللبنانية….محاولة هروب من الواقع المرير

لا يمكن قراءة تاريخ لبنان الحديث بمعزل عن دورات كأس العالم. ارتبطت مباريات كأس العالم في فترات كثيرة بالنسبة للبنانيين، بأحداث مأساوية ومنعطفات جذرية. لقد تعامل اللبنانيون مع كرة القدم فترات طويلة كآلية دفاع ضد الصدمات الجماعية. تتحول البطولة كل أربع سنوات من حدث رياضي إلى بروتوكول اجتماعي يعيد صياغة الهوية اللبنانية بعيداً عن التجزئة والإنقسام المتجذر بفعل الأحداث المأساوية.

المرحلة الأولى: (1948- 1967)

ارتبطت ذاكرة كرة القدم في العالم العربي وتحديداً لبنان بلحظة انكسار كبرى؛ فبينما كان العالم يستعد لإعادة إحياء المونديال في نسخة 1950 بعد توقف الحرب العالمية الثانية، كانت المنطقة العربية تواجه تداعيات “نكبة فلسطين” عام 1948. وفي لبنان، اندمجت كرة القدم في النسيج الاجتماعي مع تدفق اللاجئين الفلسطينيين بعد الإحتلال الإسرائيلي.

أمّا عام 1958، فازت البرازيل بكأس العالم للمرة الأولى. في حين كان يعاني لبنان من أزمة وجودية بعد أحداث 1958. وظلت كرة القدم تبحث عن استقرار في زمن العروبة الصاعدة، قبل أن تكسرها، لتتحول لاحقاً إلى وسيلة تعويض نفسي عن الإنكسارات العسكرية والسياسية.

المرحلة الثانية: (1974- 1975)

مثّل مونديال ألمانيا عام 1974 المنفس المستقرّ الأخير في زمن السلم اللبناني الهش. كانت المقاهي البيروتية في شارع الحمراء ومناطق الاصطاف تعيش ذروة ازدهارها السياحي والثقافي، حيث تحولت مدرجات المشاهدة إلى انعكاس لرفاهية “سويسرا الشرق”. لكن هذا المشهد الاحتفالي كان يسبق بعام واحد فقط اندلاع الشرارة الأولى للحرب الأهلية في نيسان 1975، ليبدأ فصل جديد تحولت فيه كرة القدم من ترف سياحي إلى ملاذ نفسي وحيد وسط جحيم الصراعات المتنقلة.

المرحلة الثالثة: (1982- 1990)

تحول مونديال إسبانيا 1982 إلى علامة فارقة في الوجدان اللبناني؛ إذ تزامنت البطولة مع الاجتياح الإسرائيلي وحصار بيروت. كان اللبنانيون آنذاك يختلسون الوقت المستقطع من الحرب لمتابعة تألق الإيطالي باولو روسي عبر أجهزة تلفزة تعمل ببطاريات السيارات وسط الملاجئ. لم تكن كرة القدم مجرد لعبة، بل كانت مساحة أمان تتيح للمجتمع المنقسم فرصة نادرة للتوحد خلف ألوان البرازيل وألمانيا، هرباً من واقع الهويات القاتلة التي بلغت ذروتها في مونديال 1990؛ حيث شكلت صافرة الحكم “هدنة غير معلنة” بين الأخوة الأعداء في أشرس جولات الاقتتال الداخلي (حرب الإلغاء)، قبل أن يُطوى ملف الحرب رسمياً، ولكن ليس للأبد.

المرحلة الرابعة: (2000-2018)

لقد بدا أن الحرب انتهت، وهي بالفعل انتهت مادياً لكن تداعياتها خلفت أزمات كثيرة طالت مختلف المستويات. وفي مطلع الألفية، عرفت تلك المرحلة بالإستقرار الهش رغم المحاولات، وواكبت نسخ المونديال تقلبات سياسية حادة. عام 2006 لم تدم احتفالات اللبنانيين بلقب إيطاليا سوى 72 ساعة، نتيجة اندلاع حرب تموز بين لبنان واسرائيل، التي أعادت البلاد عقوداً إلى الوراء. وخلال دورات 2014 و2018، استمر الشغف الكروي كمنفس اجتماعي، لكنه بدأ يخفي خلفه تراكماً للأزمات المالية والتصدعات المؤسساتية. وبينما كان “مبابي” يقود فرنسا للذهب في 2018، كانت ملامح الإنهيار الإقتصادي تلوح في الأفق، والذي شهده المجتمع اللبناني بعد عام واحد، والذي ترافق مع أزمات ما زلت مستمرة بوتيرة صعبة ومريرة.

مونديال 2026…ومأساة لبنان لم تنتهي!!

تتجه الأنظار اليوم نحو أمريكا الشمالية، حيث تستعد الولايات المتحدة وكندا والمكسيك لاستضافة النسخة الأكبر والأكثر تحولاً في تاريخ “الفيفا”، برفع عدد المنتخبات المشاركة لأول مرة إلى 48 منتخباً يتنافسون في 104 مباريات بين 11 حزيران و19 تموز. إلا أن هذا المونديال يأتي في سياق مختلف تماماً عن كل العقود الماضية؛ فبينما يحتفل العالم بتوسعة الملاعب، يشهد لبنان اليوم أزمة وجودية تتمثل في تدمير ممنهج ونسف لقرى كاملة في منطقة الجنوب، وسط موجات نزوح شديدة وأزمات خانقة تمتد لسبع سنوات دون انقطاع.

يطرح هذا التباين سؤالاً جوهرياً حول قدرة اللبنانيين على الهروب مجدداً نحو كرة القدم، في وقت لم تعد فيه مجرد تسلية، بل وسيلة لقياس المسافة بين واقع الدمار في الشرق الأوسط وصخب الاحتفالات العالمية. إن المنطقة اليوم لا تترقب صافرة البداية فحسب، بل تراقب مصيراً معلقاً بين حطام الأزمات الراهنة وإعادة تشكيل خارطة القوى، ليصبح مونديال 2026 بمثابة مرآة تعكس غربة الشعوب المنهكة التي تبحث عن لحظة انتصار رياضي يعوضها عن انكساراتها الميدانية والسياسية.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top