
بقلم الياس عيسى الياس
في عالم كرة القدم، نزن النجوم عادة بالتمريرات الحاسمة، وبراعة قطع الكرة، وأرقام العقود بين الميادين الكبرى. لكن الرياضة تتجاوز الميدان أحياناً، لتعود إلى أصلها الإنساني البسيط. وهذا بالضبط ما استوقفني في مارك كوكوريلا خلال نهائي مونديال 2026.
كان يركض على الرواق الأيسر بشعره الكثيف الذي رافقه منذ طفولته بتشجيع والدته لتسهيل تمييزه في الملاعب الناشئة، ليتحول مع الأيام إلى علامته البصرية المسجلة في الميدان.
لكن ما كان يشدني إليه لم يكن التكتيك الرياضي، بل حضور الأب الذي يحمل خلف الأضواء معركة أُسَرية نبيلة وموازية.
هذه المعركة الهادئة هي ما كشفه كوكوريلا وشريكته كلاوديا بشفافية شجاعة في مقابلاتهما الصحفية ووثائقي Married to the Game، حين تحدثا عن رحلتهما مع ابنهما الأكبر “ماتيو” واضطراب طيف التوحد؛ عن حيرة البدايات قبل فهم حالة طفلهما غير اللفظي، وبكائهما أمام عجز المدارس التقليدية عن استيعابه، حتى وصلا إلى البيئة التعليمية المتخصصة التي احتضنته.
ولم تقف ترجمة هذا الالتزام عند حدود الكلام؛ بل تحولت إلى قرارات يومية ملموسة، كتحمل الشريكة قيادة السيارة لساعات طويلة يومياً لإيصاله إلى مدرسته العلاجية في لندن، قبل نقل إقامة العائلة بالكامل لتكون أقرب لبيئته التعليمية.
ومع معرفتي بهذه الخلفية الإنسانية، أصبحت أتابع مبارياته بعين مختلفة؛ فحين تشتد التوترات في الميدان، كان أي تدخل قاسٍ يتعرض له كوكوريلا يبدو بمشهد مضاعف، كأن الأذى يمس أمان عائلة وجدتُ نفسي قريباً منها.
لكنه كان يتجاوز تلك اللحظات بثبات، مؤكداً أن الصمود الحقيقي يتشكل في الحياة اليومية قبل المستطيل الأخضر.
لم يكن تشجيعي له انحيازاً رياضياً، بل اعترافاً برابط إنساني. فحين سمعتُ كوكوريلا يتحدث عن اعتبار أي تقدم صغير يحرزه ابنه في التواصل إنجازاً يفوق ألقاب الملاعب، سمعتُ صدى حياتنا اليومية والرحلة ذاتها التي عشناها في بيتنا مع ابننا شربل.
حين نحكي عن تجربة كوكوريلا وشريكته، أو عن الرحلة التي نخوضها أنا ورانيا كوالدَين لشربل، نحن لا نروي استثناءً ينفرد به التوحد، بل نضع اليد على الجوهر الأصيل للأبوة والأمومة.
فالتوحد هنا ليس إلا مجهراً مكبراً يُظهر ما يفعله كل أب وأم كل يوم، بتركيز أشد ونبرة أوضح.
ومن هنا أتساءل: أليست المهمة اليومية لكل والدين هي إعادة ترتيب العالم لأجل الأبناء؟ أن نضع احتياجاتهم في مقدمة الخيارات؛ في السكن، والعمل، والوقت؟
ومع شربل، اكتشفتُ أن لكل طفل طريقته الخاصة في أن يقول للعالم: “أنا هنا”، حتى عندما لا يستخدم الكلمات. ومهمتنا دائماً هي فك هذه الشفرة، والتعلم كيف نحب أطفالنا كما هم، لا كما تخيلناهم.
فالبحث عن مدرسة تحتضن الطفل ليس قراراً تعليمياً فحسب، بل هو امتداد طبيعي لليد التي تمسك طفله عند عبور الشارع، أو للصوت الذي يطمئنه في ليلة عاصفة.
كل لفتة حنان هي علامة أمان تُرفع في وجه الضجيج. وكل خطوة أولى للطفل، أو ابتسامة منه بعد يوم شاق، هي الانتصار الأكبر الذي يتقزم أمامه أي إنجاز مهني.
تتجلى هذه الشراكة التي تجمعني بـ رانيا في احتضان تفاصيل يومه، وفي تلك النزهات اليومية التي نخرج فيها مع شربل نحو الطبيعة؛ حين نكتفي بالمشي الهادئ وتبادل نظرة تفهم كل شيء دون حوار، وفي الإشارات اليومية التي تبنيها أخته كلارا لتكون مترجمة لروحه.
أطفالنا لا يتأثرون بالخطابات؛ بل يقرأون الوفاء في الفعل.
تتغير الملاعب وتُقاس الإنجازات بالكؤوس، لكن التجربة تقول إن البطولات الحقيقية تُحسم في البيت؛ حين نكون ملاذاً لأبنائنا.
أطلقت الصفارة وانتهى المونديال، وغادر الجميع الميدان، لكنني أدركتُ أن البطولة الوحيدة التي تهمني لم تكن على العشب، بل في تلك اليد الصغيرة التي ما زالت تبحث عن يدي.
