أوروبا بين مطرقة الفائدة وسندان التبعية – العجوز المتكاسل

بقلم نزار شاكر

أعلنت كريستين لاغارد (رئيسة البنك المركزي الأوروبي) رفع الفائدة مجدداً، خبر اقتصادي بارد على الورق، لكنه في الحقيقة صرخة أوروبية مكتومة، صرخة قارة عجوز أحست فجأة أن الأرض تهتز تحت قدميها، وأن كل ما بنته من شعارات “السيادة” و”الاستقلال الاستراتيجي” كان قصراً من ورق.

لم تعد الأزمة اقتصادية فحسب، كما خلصنا في مقال سابق بعنوان “زمن القوة المدنية انتهى”؛ أوروبا اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن تعترف بأن زمن “القوة المدنية” قد انتهى وتعيد بناء قوتها الصلبة بثمن سياسي واقتصادي باهظ، أو تقبل دور التابع الذي يحفظ ماء وجهه بالخطابات والبيانات، ورفع الفائدة الذي أعلنته لاغارد اليوم هو الدليل الحي على أن أوروبا اختارت الخيار الثاني… مسكن ألم لعضو مبتور.

الأزمة أعمق؛ فأوروبا التي كانت بالأمس “شريكاً” في صنع القرار الدولي، صارت اليوم “تابعاً” يستجدي الحماية من واشنطن، ويغمز في الوقت ذاته للصين من تحت الطاولة، وكل هذه الحركات البهلوانية لم تشفع لها في إيجاد حل واحد لأمراضها المزمنة: حرب لا تنتهي، طاقة لا تكفي، صناعة تهاجر، وحدود مفتوحة على الفوضى.

التفكر الأوروبي: من شريك قرار إلى تابع يستجدي

لقد تحوّلت أوروبا من صانعة تاريخ إلى هامش في كتابه، بالأمس كانت “خطة مارشال” و”السوق المشتركة” و”اليورو” عناوين سيادة؛ أما اليوم، فكل مراجعة استراتيجية تبدأ -حسب باحثي المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية ECFR- بورقة لاصقة بيضاء كُتب عليها: “US Primacy” (أولويّة أمريكا)، وبعدها مباشرة “الناتو”.
وصف المحللان يانا بوغليرين (Jana Puglierin) ورافائيل لوس (Rafael Loss) هذا الوضع بـ “ناتو شرودنغر” Schrödinger’s Nato: أمريكا موجودة وغائبة في آنٍ معاً، موجودة حين تحتاجها أوروبا للردع، وغائبة حين تريد أوروبا أن تقرّر مصيرها بنفسها.

وتذهب أولريكه فرانكه، الباحثة الأولى في ECFR، إلى أبعد من ذلك فتقول بصراحة موجعة: “إن الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي تلقى ضربة قاتلة مع إعلان شولتس أن الجهة الوحيدة المهمة له هي الولايات المتحدة، بغض النظر عما يريده الأوروبيون الآخرون”، وتضيف: “أوروبا بقيت معتمدة بشكل كبير على القيادة الأمريكية والقدرات الأمريكية”.
حتى الأرقام تفضح هذه التبعية؛ ففي السنة الأولى لحرب أوكرانيا، كانت نسبة 78% من مشتريات الدفاع لدول الاتحاد الأوروبي من خارج الاتحاد، و63% منها تحديداً من موردين أمريكيين، فأية سيادة هذه التي تُشترى من واشنطن بالدولار؟
ويخْتصر السفير الفرنسي السابق جيرار أرو المأساة بجملة قاسية: “نحن الأوروبيين عشنا أطول فترة سلام وازدهار وحرية منذ سقوط روما، هذه الفترة تنتهي الآن، ونحن بلا شك الأقل قدرة على استيعابها”، نسينا التاريخ، وظننا أن القانون والإجراءات ستغني عن القوة.

وهذه التبعية ليست وليدة حرب أوكرانيا الفجائية، بل هي ثمرة خطيئة تاريخية تعود إلى تسعينيات القرن الماضي؛ ففي حرب كوسوفو (1999)، عجزت العواصم الأوروبية مجتمعة عن حسم المعركة ضد صربيا على عتبة بيتها الخلفي، واضطرت صاغرة لاستجداء التدخل العسكري الأمريكي عبر الناتو، وعلى إثر ذلك اجتمع وزراء حرب أوروبا ورأوا بمرارة أن أوروبا متخلفة عسكرياً، وبدلاً من بناء جيش أوروبي مستقل، لم يتمكنوا من الاستغناء عن القوة الأمريكية واستمرأوا العيش تحت مظلتها، فكانت النتيجة أن تكرر العجز المذل ذاته وبشكل أقسى.

الصين: العشيقة الجديدة التي نخاف الاعتراف بها

فجأة، وبعد أن أدركت أن أمريكا “أمريكا أولاً” لن تبقى مظلتها الأبدية، تذكرت أوروبا أن في الشرق قوة اسمها الصين، فصار ماكرون يزور بكين، وشولتس يأخذ معه وفد الصناعيين، وبروكسل تؤجل ملف “تقليل المخاطر” (De-Risking).
لكن هذا الغزل متردد وخائف؛ فأمريكا تبتزها قائلة: “إن أردتِ حماية الناتو فابتعدي عن الصين”، والصين تبتسم وتقول: “إن أردتِ المصانع والبطاريات فابتعدي عن واشنطن”.
ويكشف تقرير لصحيفة “لوموند” (Le Monde) الفرنسية أن “النموذج الألماني -القائم على الغاز الروسي الرخيص، والتصدير إلى الصين، وتكفّل أمريكا بالأمن- قد نفد وقوده”، فالمستشار شولتس عالق بين شركات تصنع في ألمانيا وتريد حماية السوق، ومجموعات عملاقة مثل “فولكسفاغن” و”بوش” و”باسف” نقلت مصانعها إلى الصين وتريد الحفاظ على علاقاتها مع بكين.
حتى الرأي العام الأوروبي ضائع؛ فاستطلاع ECFR الأخير يقول إن 11% فقط من الأوروبيين في 15 دولة يعتبرون أمريكا حليفاً، وهو أدنى مستوى تاريخي، ولكن في المقابل، لا أحد يعرف ما البديل؛ فأوروبا تريد الصين للمال، وأمريكا للأمن, ولا تملك من أمر نفسها شيئاً.

فشل مستمر: لا حلول، بل مسكنات

كل حركة أوروبية في السنوات الأخيرة كانت رد فعل، لا فعلاً. وكل حل كان مسكناً، لا علاجاً.
في الطاقة: كان الحل “نقاطع الغاز الروسي”، فكانت النتيجة فاتورة كهرباء تفجرت، ومصانع أغلقت أبوابها، وعودة مخزية إلى الفحم، فلا خط أنابيب بديل جاهز، ولا طاقة خضراء لحقت لتعوض الفارق.
في الصناعة: كان الحل “قانون الصناعة الخضراء”، فكانت النتيجة هروب “فولكسفاغن” و”باسف” إلى أمريكا حيث الكهرباء أرخص والضرائب أخف. أوروبا تفرغ نفسها بيدها.
في الحدود والهجرة: كان الحل “اتفاقاً مع تونس وليبيا”، فكانت النتيجة أن بقيت قوارب الموت، وصعد اليمين المتطرف في كل انتخابات، لا رؤية، فقط “دفع مالٍ للسكير كي يسكت”.
في الحرب: كان الحل “دعم أوكرانيا إلى النهاية”، فكانت النتيجة حرب استنزاف، وميزانيات دفاع أُنهِكت، ولا أحد يعرف شكل “النصر” الموعود.
وحتى تقرير دراغي الشهير -الذي استقبلته بروكسل كإنجيل إنقاذ- لم يُنفذ منه حتى الآن سوى 15% من توصياته البالغة ثلاثمئة وثلاثاً وثمانين توصية. الباقي حبر على ورق.

وهنا نعود لاستنتاج المقالة السابقة: الضمور ليس حتمياً، لكنّه الاحتمال الأرجح إذا استمرّت أوروبا بالتصرّف كأنّها ما زالت في عام 2010. والتموضع يتطلب شجاعة سياسية لا تظهر حتى الآن إلا عند فرنسا وألمانيا بالكلام، لا بالفعل. وكل مسكنات الفائدة وقانون الصناعة الخضراء تؤكد أن التموضع يتطلب إرادة سياسية مفقودة.

ورفع الفائدة اليوم هو من المنطق الهروبي نفسه؛ فلا حل لأزمة الطاقة أو لهروب الرساميل، فلنرفع الفائدة “لنخفف الطلب” ونقوي اليورو تهرباً من أزمة الثقة. لكن ما غاب عن صانع القرار في فرانكفورت هو التفسير الحقيقي والأثر القاتل لهذا الإجراء؛ فرفع الفائدة على اليورو يعني خنق ما تبقى من نمو، وانعدام التوظيف في المشاريع الإنمائية الكبرى، وشلل البنى التحتية، وتوجيه السيولة نحو البنوك لامتصاص أرباح سهلة على حساب الاقتصاد الحقيقي والمصانع. كله مسكنات، وكله هروب إلى الأمام.

إرادة التموضع قبل فوات الأوان

أوروبا في ضمور يا صديقي، كما كتبتَ من قبل، ضمور لأنها نسيت أن القوة ليست في البنك المركزي ولا في سعر اليورو، القوة في القرار السياسي المستقل، وفي الإرادة التي تصنع التاريخ لا تتبعه. أوروبا اليوم تثبت بالأرقام والقرارات ما ختمنا به تقريراً سابقاً: زمن القوة المدنية انتهى، فلا البنك المركزي ولا سعر اليورو يصنعان السيادة. كما ختم ميرشايمر خطابه في البرلمان الأوروبي: “العالم الأحادي القطب قد مات، ومن يرفض الاعتراف بذلك سيخسر أكثر”.

ومن باب استشراف سيناريوهات المستقبل الأكثر عمقاً وجرأة؛ فإن معادلة الجغرافيا السياسية الصادمة تقول: لن تستقل أوروبا استراتيجياً وحقيقياً إلا إذا أصبحت روسيا عضواً فاعلاً في الاتحاد الأوروبي؛ فهي عمق القارة الجغرافي ومخزن طاقتها ودرعها، لكن بروكسل اختارت قطع الجسور، لتجد نفسها معزولة ومكشوفة.
أوروبا 2026 ليست أوروبا 2010، الفارق أنّ النقاش لم يعد “هل تراجعت؟” بل “هل تملك إرادة التموضع قبل فوات الأوان؟”.

اليوم تقف أوروبا على مفترق طرق مرّ: إن بقيت تابعة لأمريكا خسرت اقتصادها، وإن اقتربت من الصين خسرت أمنها، والخياران أوجع من بعضهما. ورفع الفائدة؟ هو اعتراف أخير من سائق القطار النائم بأنه لا يملك المكابح، القطار يسير على سكة حرب إيران وأوكرانيا وسكة تجريد دول أوروبا من نفوذها العالمي، وسكك الحروب لا تعرف التوقف التدريجي.

أوروبا تحتاج أكثر من الفائدة؛ تحتاج إلى صحوة، فهل تملك الشجاعة التي لم تظهر حتى الآن إلا عند فرنسا وألمانيا بالكلام، لا بالفعل؟

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top