السنة في لبنان: شريك أساسي أم هامشٌ في دوامة الغياب؟

بقلم نزار شاكر

أحاول أن أتعامل مع تفاصيل المشهد اللبناني، لا لأدّعي امتلاك قراءة موضوعية نهائية، بل لأفهم سلوك الشارع السني وسط تعقيدات المرحلة؛ ومن الواضح اليوم أن هذا الشارع يعيش حالة تخبّط، بلا رؤية واضحة ولااستراتيجية مستقبلية معلنة.

وفي ظل هذا الغياب، يتحوّل السؤال من “ماذا يريد السنة؟” إلى “مَن يقرر عنهم، ولمصلحة مَن؟”.

  1. تشخيص الواقع: سلوك الشارع السني بين الاحتمالات

يمكن قراءة المشهد عبر مجموعة ثنائيات متعارضة تكشف حجم التردد:
● إخفاقات أم تروٍّ؟ بين مَن يرى الانسحاب ضرورة لتجنب الاستنزاف، ومَن يراه تفريطاً في موقع تاريخي.
● ضمان الوجود أم هدم الموجود؟ هل الأولوية للحفاظ على ماتبقى من مؤسسات ودور، أم أن التغيير يتطلب هزّ البنية بالكامل؟
● افتعال أزمات أم حل للمشكلات؟ يظهر ميلٌ عند بعض الفاعلين لإبقاء التوتر مشتعلاً كورقة ضغط، بينما يراه آخرون طريقاً للانتحار السياسي.
● ضامن للتعايش أم خنجر في ظهر الشريك؟ العلاقة مع المكونات الأخرى لم تعد محسومة، وتتأرجح بين خطاب التهدئة وخطاب الاتهام.
● التمسك بوحدة الأرض أم التقسيم والفدرلة؟ هذا الملف تحديداً يطفو كلما ضعفت الدولة، ويطرح سؤالاً وجودياً عن مستقبل الكيان.

  1. المستجد الإقليمي بعد 2024: من ساحة مواجهة إلى ساحة مراقبة

المستجد الأهم بعد حرب غزة وجنوب لبنان 2024 هو: انكفاء المحاور الكبرى عن الاستثمار في الشارع السني كورقة مواجهة مباشرة، وتحويله إلى ورقة تفاوض إقليمية. هذا الانكفاء النسبي يفتح نافذة أمام اللاعبين المحليين لبناء مشروعهم الخاص بعيداً عن الإملاءات، لكنه في المقابل يزيد الضغط لأن “الغطاء الخارجي” لم يعد مضموناً كما في السابق.

  1. لماذا يُنظر إلى الموقف السعودي تحديداً؟ تعليل مختصر

حين نتحدث عن “المملكة” في السياق اللبناني، فالمقصود عادةً السعودية، وذلك لثلاثة أسباب:
● حضور تاريخي مباشر: فهي راعية اتفاق الطائف، وتملك شبكة علاقات مفتوحة مع الأطراف كافة.
● غياب مشروع تدميري معلن: سياستها تقوم على التهدئة وتفادي الانزلاق إلى الحرب الأهلية، كما ظهر جلياً في ملف عرمون2023.
● التمايز عن مشروع حزب الله: ثمة خصومة مع المشروع الإيراني، لكن دون خطاب إلغاء للمكون الشيعي اللبناني؛ هذه المرونة تجعلها الطرف الوحيد القادر على مخاطبة الشارع السني دون دفعه للانتحار.

  1. غياب المرتكز الجامع: من يملأ الفراغ؟

وسط هذا التخبّط، يبرز فراغ في المرتكز الجامع. تاريخياً، لعبت المؤسسات الدينية الجامعة —وعلى رأسها دار الفتوى— دور استيعاب البيت الداخلي السني أولاً، ومنع تفتيته إلى محاور متناحرة، وفي المرحلة الثانية، كانت جسراً طبيعياً للتلاقي مع باقي المكونات اللبنانية.
لكن المطلوب اليوم هو إطار أوسع: هيئة استشارية وطنية تضم مؤسسات دينية جامعة، ونخباً اقتصادية وقانونية وأكاديمية وبلدية، لا ترتهن لشخص أو تيار. فعندما تغيب المرجعية الجامعة، يملأ فراغَها اجتهاداتٌ فصائلية أو رسائل خارجية لا تملك مشروعاً وطنياً.
إن دار الفتوى ليست مجرد مؤسسة دينية، بل هي “الخزان الرمزي” للهوية السنية، ولكن لكي تستعيد دورها كضامن ضمن هذا الإطار الأوسع، عليها الانتقال من دور “المراقب” إلى دور “المبادر”؛ عبر خلق إطار استشاري يضم نخباً اقتصادية وقانونية وفكرية تساهم في صياغة رؤية سياسية حديثة تتجاوز الانقسامات الحزبية.
إن عودة المؤسسات المرجعية الجامعة إلى الواجهة كمرجع حوار وضابط إيقاع داخل البيت السني، وقناة تواصل مع الشيعة والمسيحيين، هي شرط أساسي لأي استراتيجية وطنية متماسكة.

  1. سردية الشارع السني: غياب رؤية وتعدد مستفيدين

من الواضح أن هناك توجهاً داخل الشارع السني لا يمانع الانزلاق إلى فتنة سنية-شيعية، أو حتى سنية-سنية. والسؤال الأهم والأخطر هنا: مَن يغذّي هذاالتوجه؟
مثال طرابلس الأخير يعطي الجواب عملياً؛ فلولا لطف الله ومساعي العقلاء لكنا أمام مشهدية فتنة سنية-سنية تنزف دماً. وهنا تظهر الاحتمالات:
● السعودية: السردية السابقة تنفي هذا الاحتمال؛ فهي تسعى للتهدئة، ولا تجاري الطموحات كافة للحلفاء المحليين.
● قطر: لديها القدرة والإمكانية، لكن أهدافها في لبنان غير واضحة؛ إذ تميل لاستخدام الملفات كورقة مساومة أكثر من كونها استراتيجية طويلة الأمد.
● الإمارات: أكثر جرأة في العمل الخفي لتشويه الحضور السعودي وتوسيع سطوتها الأمنية والاستخباراتية، وفعلها لا يتخطى إطار المنافسة مع السعودية؛ فهناك من يرى أن حضورها فرعي وليس جوهرياً.
● حزب الله وإيران: مستفيدون موضوعياً من أي تفكك سني؛ ولديهم قنوات داخل الدولة، لكن انشغالهم حالياً ببيئتهم يجعل دورهم المباشر غير مؤكد. وأي حراك حالي هو ضغط شارع، وسقف عالٍ لتحقيق مكاسب، خاصة في ظل الحرب؛ إذ سيراعي هذا الحراك واقع النازح والبيئة الحاضنة له، والاستفادة من القواسم المشتركة “الأيديولوجية” المتمثلة في أن العدو الصهيوني عدو مشترك، وهو بحاجة ماسة لهذه المقاربة.
● فاعلون محليون: قوى مهمشة أو متراجعة قد ترى في الفوضى فرصة لإعادة إنتاج نفسها، وشعار “إذا خربت ما بتعمر” يعبّر عن هذه الذهنية.

  1. تشخيص موازٍ وأصحاب المصالح الضيقة

في تشخيص موازٍ، يرى الصحافي والمحلل السياسي منير الربيع أن “القيادة المفقودة انعكست موقفاً وسطياً رمادياً لدى الطائفة السنية”، مشيراً إلى أنه”اليوم تغيب زعامة سنية قادرة على استقطاب العدد الكبير من أبناء الطائفة”.
ويضيف الربيع أن دار الفتوى بدأت بعد عزوف الحريري “تحاول تحويل دار الفتوى إلى مرجعية سياسية مرحلية حتى موعد الانتخابات”، مؤكداً بلسان حال النواب السنة أن “دار الفتوى قادرة على جمع الزكاة.. أما النواب السنة فلا يجمعهم أحد”.
يبرز هنا خطر “أصحاب المصالح الضيقة”، وهم القوى السياسية التي فقدت شرعيتها الشعبية وتجد في الفوضى ملاذاً لإعادة إنتاج أدوارها. هؤلاء يرفعون شعار “أنا أو الطوفان”، مما يعطّل أي مسعى لولادة قيادات جديدة أو رؤية وطنية تعيد ترتيب البيت الداخلي.
أما الجو الإسلامي المنظّم فيبدو مضبوطاً في الوقت الحالي، وربما يفسّر الانضباطُ السوري هذا السكونَ النسبي.

  1. الواقع الرقمي: المعركة الغائبة عن الوعي

لا يمكن الحديث عن الشارع السني دون الالتفات إلى “حرب السرديات” الرقمية؛ فبينما يغيب المشروع الوطني الموحد، تحوّلت منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحة صراع مفتوحة، تُصنع فيها السرديات من قِبل مؤثري”اللحظة” أو عبر حسابات موجّهة لا تتبنى بالضرورة هموم المكون السني، بل تعمل على تغذية الاستقطاب.
إن غياب منصة إعلامية موحدة حوّل تطبيقَي “تيك توك” و”واتساب” إلى قنوات للفتوى والسياسة. والمطلوب اليوم ليس قناة فضائية، بل “شبكة عقلاء رقميين” —تضم نحو عشرين شاباً وشابة من كل منطقة سنية— يملكون أدوات السرد وتفنيد الشائعات، بتمويل مستقل. إن افتقار البيت السني إلى منصة إعلامية أو فكرية موحدة يجعل “الحقيقة” عرضة للتشويه، مما يسهّل على أي طرف خارجي تمرير أجنداته تحت ستار “النصيحة” أو “الدعم”.

  1. إلى أين؟ توصيات على طاولة المرحلة

وسط هذا التشابك، لا يمكن للشارع السني أن يستمر كحالة رد فعل؛ فالمطلوب هو الانتقال من التخبّط إلى المشروع:
● تفعيل المرتكز الجامع: إعادة الاعتبار للمؤسسات المرجعية الجامعة —وعلى رأسها دار الفتوى كجزء أصيل منها— كمرجعية جامعة للبيت السني، وقناة تواصل مع باقي المكونات؛ فبدون هذا المرتكز، يبقى أي مشروع هشاً.
● تعريف المصلحة: أي مصلحة سنجنيها من حرب أهلية جديدة؟ الجواب هو صفر، والخاسر الأول سيكون المكون السني نفسه.
● كسر ركائز الفتنة: تبني خطاب واضح يرفض الانجرار إلى فتنة سنية-سنية أو سنية-شيعية، ويعرّي الجهات التي تغذيها.
● استراتيجية وطنية: صياغة رؤية تحمي وحدة الأرض وتمنع الفدرلة المقنعة، وتعيد بناء حضور سياسي عقلاني وازن.
● وثيقة شرف وطنية: يلتزم بها الجميع لضبط السلوك السياسي والإعلامي، وتمنع استخدام الشارع كوقود لصراعات الغير.
● تفعيل الدور السياسي: الغياب عن المؤسسات يعني ترك الفراغ للآخرين؛ والمطلوب هو العودة إلى العمل السياسي المنظم، لا أن يكون المكون “الجناح الأضعف” الذي يُستخدم كشماعة.
● الاقتصاد كمرتكز للسياسة: لا استراتيجية وطنية دون قاعدة اقتصادية. إن “دولرة الفقر وغياب الخدمات” في طرابلس وعكار—على سبيل المثال— حوّلت الشارع إلى سوق مفتوح أمام مَن يملك السيولة النقدية بالدولار (الكاش)، سواء كان جمعية أو شبكة خدمات. المصلحة السنية اليوم تبدأ من حماية لقمة العيش قبل حماية المقعد، عبر مشاريع تنموية مستقلة لا ترهن قوت المواطن بقرار سياسي خارجي أو محلي.

  1. خريطة التحديات – خلاصة المشهد

● التحدي البنيوي: غياب مرجعية قرار موحدة في ظل انكفاء القوى التقليدية.
● التحدي الاستراتيجي: الانجرار إلى محاور إقليمية تتنازع على النفوذ في الجسد السني.
● التحدي الاجتماعي: تغوّل الفقر والحاجة، مما يسهّل اختراق الشارع سياسياً.
● الفرصة المتاحة: تفعيل المؤسسات المرجعية الجامعة لتكون مظلة وطنية بدلاً من التبعية للفصائل.

  1. الخلاصة: سيناريوان لا ثالث لهما

في الختام، أمام السنة خياران لا ثالث لهما:
● السيناريو الأول – شريك أساسي: إذا نجحت النخب في بناء”إطار جامع لا إقصائي” خلال اثني عشر شهراً، وقبل الانتخابات البلدية، عندها يمكننا العودة كلاعبين فاعلين. والمفتاح هنا هو: الاقتصاد + الإعلام الرقمي + المرجعية المعنوية لا السلطوية.
● السيناريو الثاني – هامش الغياب: إذا استمرينا في انتظار”الزعيم المنقذ” أو “المؤسسة الأحادية”، عندها سيكتب الآخرون مصيرنا كورقة مساومة.
والواقع اللبناني بعد 2024، بكل هشاشته، لا يحتمل مزيداً من التجارب الفاشلة.

سؤال لتعميق الحوار:

بالنظر إلى التشخيص الذي تحرّيتُ فيه الدقة في المفردات والمعاني، وآمل أنتكون هذه المقالة ورقة بحثية تفتح آفاقاً للغيورين والمخلصين لهذا الوطن، أترك البحث مفتوحاً للمستقبل عبر التساؤل الآتي: هل “الاستجابة” لهذه الرؤية منقبل النخب السنية —سواء الدينية أو السياسية— ممكنة في المدى المنظور؟ أمأن حالة التشرذم الحالية أقوى من أن تُحتوى بمجرد “طرحٍ استراتيجي”؟

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top