
بقلم نزار شاكر
لم يكن منتجع “إيفيان-لي-بان” الفرنسي في الخامس عشر من حزيران/يونيو مجرد مكان لانعقاد قمة السبع الكبار (G7)، بل كان مسرحاً لعملية “تصفية سياسية” لعهود من الدبلوماسية التقليدية. فحين وطئت أقدام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أرض المنتجع معلناً توقيع “مذكرة تفاهم أمريكية-إيرانية لوقف إطلاق النار ستين يوماً” إلكترونياً لإنهاء حرب المئة يوم، لم يكن يعلن فقط وقف إطلاق النار، بل كان يترجم عملياً ولادة نظام دولي جديد؛ نظام تحل فيه “شرعية القوة” محل “شرعية القانون”، وتتحول فيه جنيف من عاصمة لصناعة السلام إلى مجرد مكتب لتوثيق العقود القانونية.
“جنيف للمحامين، وإيفيان للرؤساء”..
بهذه العبارة لخص المشهدُ في قمة السبع الكبار التحول الجذري في طريقة إدارة الأزمات الدولية، حيث أُزيحت الأمم المتحدة جانباً لصالح “نادي الكبار” بقيادة واشنطن.
نقل الشرعية: من أروقة الأمم المتحدة إلى “نادي الكبار”
تاريخياً، ارتبطت جنيف بمسارات الحل السياسي للأزمات العالمية والإقليمية، تحت رعاية الأمم المتحدة ووفقاً لقرارات مجلس الأمن. لكن الاستراتيجية الترامبية بقصد او بغير قصد تجاوز هذا المسار. والمثال الأوضح: كان مقرراً أن يتم التوقيع الرسمي النهائي على مذكرة التفاهم الإيرانية-الأمريكية، والذي سيتولاه نائب الرئيس جي دي فانس في 19 حزيران بمنتجع بورجنشطوك السويسري، لكن ترامب تعمد أن يكون الإعلان السياسي والفعلي من قلب قمة الـ G7.
ويرى محللون سياسيون في هذا السلوك خطوتين استراتيجيتين؛ الأولى هي فرض أمر واقع بقوة النفوذ، حيث أراد ترامب القول بأن الاتفاقات الكبرى تصنعها القوة العسكرية والاقتصادية المباشرة، لا التوافقات الهشة داخل أروقة مجلس الأمن المعطل. والثانية تمثلت في إحراج الحلفاء الغربيين؛ إذ جاء الإعلان في مواجهة القادة الأوروبيين (ماكرون، ستارمر، ميرتس، وميلوني) الذين عارضوا الحرب سابقاً بسبب عدم استشارتهم. وبإعلانه تحقيق 99.9% من شروطه، وجه ترامب رسالة صامتة: “أنا أقرر، وعليكم اللحاق بالنتائج”.
المقاربة السورية الجديدة: وليدة النقاشات المالية في القمة
شهدت هذه القمة حدثاً هو الأول من نوعه منذ تأسيس المجموعة عام 1975، وتمثل في إدراج سوريا ضيفاً في فعاليات الـ G7. وقد تبلورت هذه الخطوة بروتوكولياً عبر الدعوة التي سُلمت باليد في باريس لوزير المالية السوري محمد يسر برنيه، ليمثل بلاده في هذا المحفل الدولي.
لم تكن محورية سوريا في القمة وليدة الصدفة أو مجرد لفتة بروتوكولية، وإنما أتت نتيجة مباشرة مستخلصة من الحوارات والنقاشات اللوجستية والمالية التي طُرحت في اللقاءات الرسمية وكواليس الاجتماعات بين وزراء مالية المجموعة والبنك الدولي. هذه النقاشات صاغت واقعاً سورياً جديداً يقوم على مستويين:
البُعد الدولي (بديل مضيق هرمز): بيّنت النقاشات المالية للـ G7 أن دمج الملف السوري بملفي إيران ومضيق هرمز يعكس رغبة دولية بقيادة أمريكية في تسويق سوريا الجديدة بوصفها “مركزاً استراتيجياً بديلاً لسلاسل الإمداد العالمية”. فبعد الإغلاقات والتهديدات المستمرة للملاحة في هرمز، تُقدّم الجغرافيا السورية المطلة على البحر المتوسط طريقاً آمناً ومستداماً للتجارة الدولية يعوّض الخسائر اللوجستية الفادحة.
البُعد الداخلي والإقليمي (الشرعية المشروطة): إن الوجود السوري الرسمي في كواليس القمة يمنح دمشق “شرعية خارجية مؤقتة”. لكن المحللين يجمعون على أن الغرب يضع هذه الشرعية في إطار “الاختبار” الذي يرتكز على مدى قدرة السلطة الجديدة في دمشق على ضبط الحدود، ومنع التهريب، وحماية أمن الأقليات، وإرساء الاستقرار الداخلي، مقابل رفع تدريجي للعقوبات والدخول في ملف إعادة الإعمار بتكلفة تُقدّر بمئات المليارات كخطوة لاحقة لبناء عقد اجتماعي داخلي متين.
الابتزاز الناعم وسيكولوجية “شاهد الزور”
لم يشارك الأوروبيون أو القوى الإقليمية في الحرب، لكن ترامب نجح في جرّهم ليكونوا “شركاء في التنفيذ” عبر هندسة سياسية اعتمدت ثلاثة محاور رئيسية استثمرت نتائج الحرب.
بدأ الأمر عبر الابتزاز الاقتصادي، من خلال اللعب على وتر مخاوف الطاقة بعد إغلاق هرمز، ثم تقديم الحل الجاهز: “المضيق فُتح، النفط انخفض، والبورصة تعافت”، وهو ما حوّل الموقف الأوروبي سريعاً من “رفض الحرب” إلى “مباركة ثمار الاتفاق” بحثاً عن الاستقرار الإيجابي لأسواقهم.
ثم انتقل السيناريو إلى العرض التنفيذي لا السيادي، وظهر ذلك جلياً في قبول العرض الفرنسي-البريطاني بتشكيل قوة بحرية لتطهير الألغام وحماية السفن، مع تعليق ترامب الساخر: “لا نحتاج مساعدة كبيرة، لكن لا بأس بقطعة بحرية أو اثنتين”. هذه الخطوة تلخص حصر الدور الأوروبي في وظائف “الخدمات الفنية والتنفيذية” خلف الآلة الأمريكية، دون شراكة حقيقية في القرار الاستراتيجي.
وأخيراً، جاء دور صناعة “شهود العيان” عبر إجلاس أطراف إقليمية وازنة مثل (مصر، وقطر، والإمارات) إلى جانب التمثيل السوري في اجتماع الشرق الأوسط الموسع يوم الثلاثاء بالقمة. سياسياً، من يحضر كشاهد ويستمع لبنود الإطار العام للاتفاق، يجد نفسه مجبراً -بموجب الأمر الواقع- على الالتزام بمخرجاته مستقبلاً، حيث يصعب على “الشاهد” أن يعلن تمايزه عن المشهد أو التراجع عنه لاحقاً.
خلاصة: شروط اللعبة الترامبية
على الرغم من هذا النجاح الجزئي في حشد الشركاء، إلا أنها تظل “شراكة مشروطة بالخوف والاستثمار”. فالقلق الأوروبي ما زال قائماً بسبب إهمال الاتفاق للملف النووي الإيراني برمته، والتهديد الترامبي المستمر جاهز دائماً في الخلفية كصمام أمان شخصي له: “إذا لم يعجبني الالتزام، فسنعود للضرب”.
لقد ماتت جنيف كرمز لشرعية الأمم المتحدة والقانون الدولي، وولدت “إيفيان” كرمز لواقعية سياسية فجة، تُكتب فيها الاتفاقات الكبرى بمداد القوة العسكرية، وتتحول فيها الدول الكبرى والمدعوون إلى مجرد شهود وممولين في محكمة دولية يقودها قاضٍ واحد.
